أخر تحديث : الإثنين 6 يناير 2014 - 10:22 مساءً

شمس الجد عبد السلام

المختار أبو آية | بتاريخ 6 يناير, 2014 | قراءة

عندما يصور الزمن تجاعيده على الجبين، عندما يصبح الإنسان أسير لحظاته، عندما يمسي المرء دفين جسده.
وترى قطار العمر أوشك أن يصل إلى آخر محطة، بعد أن باتت مسيرة سنين مجرد ذكرى احتلت مقعدا في الذاكرة؛ هناك يصبح العمر سرابا يتلاشى كلما دارت عجلات الزمن على طريق الدهر. وتتراجع تلك الأيام ساحبة معها براءة الطفولة وعنفوان الشباب واندفاعه.

هناك وقف الجد عبد السلام، يده على الجدار كي يسنده، وقد انحنى ظهره من شدة قرع السنين، وأضحى شعره مشتعلا بياضا، وباتت عيناه لا تمكناه من رؤية العالم بوضوح؛ وبين الفينة والأخرى تطل منهما دمعة تنساب دافئة هادئة على وجنتيه اللتين خطط عليهما الدهر بصماته.

صعب على قدميه حمله، فاتكأ على عصاه ليجلس بعد جهد جهيد، فقد أفنى الروماتيزم قوى ركبتيه اللتين كانتا تسابقان الريح أيام حروب التحرير.

أخرج من جيبه سبحة تفننت يدا صانعها في جعلها رائعة، وصار يدفع حباتها الواحدة تلو الأخرى على إيقاع حنيني ينسجم في تناغم مع كلماته الخافتة والحبات تنصاع راضية بين أصابعه المرتعشة. لعله يصنع بها ما صنعته به الأيام والسنون، لكن السبحة، مع ذلك بقيت رفيقة العمر وأنيسة الوحدة يناجيها وتناجيه في وفاء عز نظيره.
دفع الجد عبد السلام بنظره إلى شجرة قريبة منه، دارت عيناه حولها ببطء؛ استرجع خلالها شريطا من ذكريات غالية ضمتها صفحات من تاريخ عظيم كتبه هو وأصدقاؤه بحبر ذهبي، سرمدي.

ما من نظرة يرسلها إلى الشجرة إلا وفي طيها سؤال لكل غصن من أغصانها عن الأخلاء. فكم احتضنت من لقاء ولعب وشقاوة، ولكم غطت بظلها لحظات الاجتماع والتخطيط لسيناريو الكفاح؛ حتى خيل إلي أن الجد والشجرة يشكو كل واحد منها للآخرلوعة الفراق، فراق الأصدقاء. فخمسة منهم أدركتهم المنية ولم يبق إلا الجد عبد السلام. كان حوار الجد والشجرة حوارا صامتا لكنه فاق كل التعابير والبيان.
نظرا إلي الجد وقد انهمرت من مقلتيه دمعتان، رأينهما تنسابان بحزن وأسى عميقين، وكأني بهما رثاء لشمعة عمر أوشكت أن تذرف آخر دموعها وتفنى للأبد.

وضع الجد يده على كتفي بعطف وحنان مازالا يدفئاني إلى الآن وقال ” يا بني إن الدهر قاهر الفرسان ولا يطمعن امرئ أمامه في انتصار…هذه يدي ترتعش الآن بعد أن حملت الفؤوس والبنادق والأقلام…” سكت برهة وأطلق لبصره العنان في الفضاء الواسع وردد بصوت خافت” يا بني كنت وما زلت مولعا برؤية الشمس وهي ترتمي في أحضان الجبال، تعانقها بشغف ولهفة في اللقاء. انظر يا بني إنها تغرب إنها تغرب..”

تأملت كلماته بإمعان، أنظر إلى السبحة في يده لم يتبق منها إلا حبات معدودات، وأنظر إلى الشمس وهي تغرب شيئا فشيئا، اندفعت من عيني دمعتان، وأنا أقول مع نفسي ” نعم أيها الجد العظيم إنها تغرب الآن، وغدا ستشرق من جديد وتسطع في المكان؛ لكن شمسك أيها الجد إن غربت فلن تشرق من ثان “

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع