أخر تحديث : السبت 11 يناير 2014 - 5:53 مساءً

البئر والفتى العاشق

حميد الجوهري | بتاريخ 11 يناير, 2014 | قراءة

جدتي، أنا من سيجلب لك الماء من البئر غدا..
يردد الفتى نفس العبارة كل ليلة قبل أن ينام، حتى لا تسبقه الجدة في أداء هذه المهمة، وهو يعلم أنها تشفق عليه وتخشى عليه من أن يسقط في البئر، وتود لو أنها تمنعه من الذهاب إليه، غير أنها لاحظت شغفه بذلك، وهي لا تدري أن فتاها قد انكشف عنه الحجاب، فرأى الجمال بفطرته، فشد الرحال يسقي من البئر بعينيه عشقه الأول ، وماءا لجدته أيضا، فيرجع  بما يدخل البهجة إلى  قلبها ، وقد كانت لا تقوى على ذلك، ويرجع بما قد أهمه من عشق…

كانت فتاة جميلة، سمراء اللون، يكاد وجهها يفصح عن جمال أخاذ، غير أن حيائها يحول دون ذلك، ترتدي فستانا بنيا، به رقع على مستوى الكتف، ونعلا مطاطيا أزرقا، تنحدر من أسرة فقيرة، لكنها عفيفة، تقبل إلى البئر ممتطية حمارا أشهبا، كان الفتى يسبقها إلى البئر، ويماطل في سقي الماء حتى تقبل، يمد بصره أعلى التلة حيث يوجد الدوار وبيت  الطاهر أبو الفتاة، حتى يلمحها قادمة إلى البئر، لا يدري الفتى لما كان يصيبه الارتباك، حتى أنه أسقط حبل دلوه في البئر مرارا، فينتظر من يسعفه ب(الكرباش) ليستعيد به الحبل والدلو…

كنا نماطل في سقي الماء، حتى ينصرف جميع من يسقي من البئر، وتبسط الأرض أمام عيناي بساتينها الخضراء، وتتواضع أزهار هذه البساتين أمام تألق الفتاة البدوية، تبادر فتبشرني بابتسامة جميلة تأخذني إلى الأعماق، ويبدأ الحديث بيننا ونحن صامتان، حديث تعبر عنه نظراتنا لبعضنا البعض والابتسام، تملأ براميل الماء قبلي، وكنت أتعمد ذلك حتى أعينها في حملها على ظهر الحمار، فتنصرف عائدة إلى بيت أبيها، وأظل بعدها أستدرك ملأ براميلي بالماء، وبصري متعلق بالطريق التي تطوي صفحة من صفحات عشقي الطفولي.

كبر الفتى، وكبرت فكرة العشق معه، وانقطعت أخبار البدوية عنه، وكان قد علم أن الذي كان بينهما، ليس إلا إدراكا لخصوصية تحمله حملا إلى عشق مستدرك، وقد أيقن بعد ذلك هذا الأمر، فعزم أن لا يودع أمانته، إلا لدى قلب يحتضن سره، ويبادله عشقا يعيده إلى متعة البئر، إلى متعة عاشق، طفل، لم يبرح طفولته قط، ولم تغادره أحاسيسه الفطرية يوما ما…


أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع