أخر تحديث : الأربعاء 15 يناير 2014 - 2:16 صباحًا

العرض الأخير

ذ. محمد الجباري | بتاريخ 15 يناير, 2014 | قراءة

مهنته مهرج … يضع صباغة حمراء ، سوداء وبيضاء في وجهه ، يرسم فما كبيرا ضاحكا ، يلبس لباسا مزركشا غريبا وحذاءا كبيراعلى شكل قارب ، مهمته أن يزرع الضحكة في الوجوه …
لم يكن أبدا يدري ماذا سيقول ! يصعد إلى الخشبة ، يقف ، ينظر إلى جمهوره ثم تأتيه الأفكار ،غالبا ما يُشرك معه أحدا من الجمهور في العرض ! لم تكن عروضه تتشابه ، في كل مرة يلعب دورا جديدا مع شخصيات جديدة يختارها من الجمهور ، في الأسبوع الماضي شاركته الخشبة طفلة صغيرة ، اقترح عليها أن يناما برهة ثم يستيقظا ليجدا أن العالم أصبح يحكمه الأطفال !
تطفأ الأنوار ، ينام المهرج والطفلة على خشبة المسرح ، يستيقظان ، الطفلة هي من تحكم العالم … يضع المهرج ثاجا فوق رأس الطفلة ، ثم يسألها عن أول قرارات حكمها ؟
تتلعثم الملكة الصغيرة ، تحمر وجنتاها خجلا .. لم تقل شيئا !
المهرج يدعوها لأن تسرع أكثر ففترة حكم الصغار لا تدوم إلا وقتا وجيزا !
الملكة تضحك ثم ينطلق لسانها تريد أن تسابق الزمن ! تدعو الملكة الصغيرة المهرج لكتابة قانون العالم الجديد
– الشكولاطا تباع بثمن رخيص … لا أقول تباع بلا ثمن !
– ممنوع السب و الخصومة بين الآباء …
– ممنوع ضرب الأطفال ( الملكة تضع كفها على خدها الأيمن كأنها تتذكر صفعة مازالت عالقة في ذهنها الصغير )
– رحمو يجب أن تعود للمدرسة !
يسألها المهرج : من هي رحمو ؟
الملكة ، بحزن تجيب : رحمو كانت تجلس بجانبي في القسم ، افتقدتها ، أخبرتنا المعلمة أنها انقطعت عن الدراسة لتشتغل خادمة في احدى البيوت !
تسكت الملكة ، تبتسم كأنها تذكرت شيئا آخر
– نريد مزيدا من شطائر البطاطس مقلية في الزيت عوض البطاطا المطبوخة !
يصفق كل من كان في القاعة وينتهي العرض
بالأمس اختار المهرج امرأة حامل ، لم يكن يريد أن تشاركه المرأة في العرض بل أراد الجنين الذي في بطنها!
يقترب المهرج من المرأة ، ينحني إلى بطنها المنتفخة ويهمس :
-ألو ، هل تسمعني أيها الجنين ؟
الجنين لا يرد ! المهرج يحاول مرة أخرى بصوت مرتفع :
-ألو ، هل تسمعني ؟
الجنين مرة أخرى لا يرد !
المهرج فرحا ، على ما يبدو أنه وجد حيلة يستفز بها الجنين ليتكلم ! يغمز بعينه الجمهور ويقول بمكر :
– عفوا أيها الجنين الثخين ، الكسول و النعسان نم لن نزعجك !
يذهب بسرعة المهرج خلف المرأة ليتقمص دور الجنين
الجنين أخيرا يتكلم ! بصوت رقيق يقول :
– أيها المهرج البئيس ، انت هو الثخين والكسول والنعسان !
المهرج سعيد جدا ، أن الجنين قد نطق ! فيسأله :
– أيها الجنين الجميل ، هل أنت جنين ذكر أم أنثى ؟
الجنين ضاحكا :
لا هذا سر بيننا نحن الثلاثة ، أنا و ماما
المهرج : طبعا وبابا
الجنين ضاحكا : لا
المهرج : ومن الشخص الثالث ؟
الجنين : أنا وماما وجدتي من ماما ! بابا غالبا آخر من يعلم !
المهرج : مرحبا بك أيها الجنين ، قريبا سوف تخرج إلى الدنيا
الجنين : حدثني أيها المهرج عن الدنيا
المهرج : آه …. لا داعي أيها الجنين النقي ، استمتع وانت في بطن والدتك ، الأيام الجميلة عادة تنقضي بسرعة!!
هذا المساء ، كانت القاعة غاصة بالجمهور ، خرج إليهم المهرج ، كان شاردا ، ضحكته باهتة ونظراته حزينة ، ظل لثوان يبحث بعينين تائهتين عن أحد من الجمهور ليشاركه حوارا جديدا ، وجد نفسه فجأة ينظر إلى مرآة كبيرة كانت جوار الخشبة ، اقترب منها ، شعر كأنه يرى نفسه لأول مرة ! أخذ يخاطب المرآة و يحكي
حكى لها عن ابنه الذي تركه يحتضر في احدى المستشفيات العمومية ، لأنه لا يملك المال الكافي لاجراء العملية ، سالت دموع المهرج غزيرة ملونة بالأبيض ، الأسود و الأحمر ….
تلك كانت آخر مرة يقف ذاك المهرج فوق الخشبة

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع