أخر تحديث : الأحد 19 يناير 2014 - 9:07 مساءً

اللعنة ـ سرد تجريبي مركب ـ

ذ. محمد الفاهم | بتاريخ 19 يناير, 2014 | قراءة

عندما أكون سعيدا لا أكتب ، عندما أكون تعيسا أكسر جميع الأقلام ، فقط عندما لا أجد لحالتي النفسية ما أسميه بها . أقف مثل أبله تحت المطر ، أبحث عن أقلام أخرى ، أقوم ببريها وأستعد . بعيون مواربة كعيني قط سيامي أراقب الكلمات وهي تبحث عن حضن للمعنى ، بظنون مفجوعة يصارع الكائن الحي داخلي لا جدوى الحياة ، أمضي إلى حيث تعجز اللغة عن البوح ، حيث الحلم يتخذ شكل واقع ، والواقع يصبح مجرد ممكن من بين ممكنات لا نهائية . عن ماذا يمكن أن أكتب عن الفجيعة والأمل ، أم عن الشر القادم وأقزام الصحراء .

الصفعة الضرورية التي يتلقاها كل إنسان على قفاه كي يستفيق من خدره ، تلك الصفعة التي قطعت عهدي بالطفولة كانت يوم أن اكتشفت حقيقة الموت . يوم تسللت كقط مبلل بين الأرجل وطبعت قبلة صغيرة فوق الجبين البارد لجدي . بومها فض السر بالنسبة لي ، طقس المرور الوجودي . بموت الجد ولد لدي شيء جديد إنه الوعي ، الوعي بأن الحياة تتضمن شيئا آخر غير فرحة العيد ، والجيوب الملآنة بالسكاكر . ثمة عالم آخر يقع في اللانهاية ، في المدى غير المنظور لكل الأشياء المنظورة . الوعي هو الحياة بدون أبواب ، حياة مشرعة للرياح . تلكم هي اللحظة التي كان فيها الحدث الأساسي للوجود . الفطام الروحي عن حليب السماء .

منذ الآن لن تكون الأشياء كما كانت ، ولن تبدو كما كانت تبدو عليه فيما قبل . كانت العناصر كلها مجتمعة في حضن الحياة ، والآن انفرط العقد . كل الأشياء بمجرد ما تظهر أمامي علي أن أولول لها . أن أصرخ وأتعجب كما لو أني أنظر إليها للمرة الأولى . أنا الطفل الغامض الذي سحقته القبل ، أمضي الآن في طريق الغياب . كل وعي هو وعي بالغياب ، بالإنفصال . الوعي هو اللعنة الكبرى التي تلقاها آدم عندما خرج من الفردوس . اندفع وجلا بين السهول والأحراش ، في طريق الضباب يقيس الريح بمزولة ، ويتأمل الليل والبحر .
أتخيل آدم المسكين هذا وقد مسه برق الوعي ، صفعة السماء على قفاه ،جلس تحت الأشجار وقد اختلطت عليه الأمور ـ كما اختلطت علي يوم موت جدي ـ حواء المسكينة هي الأخرى أخذت تواسيه بالحب والزهور ، ذلك أن الحب ما هو إلا مواساة على شؤم الحياة .

ما العمل ؟ أية خديعة كونية أو فخ للوجود Le piège de l’existence هذا . ضمن مقياس الربح والخسارة ،الجنة أم الوعي ؟ الحقيقة أم الخلود ؟ الوحدة أم الإختلاف والتعدد ؟ الشجاعة والصمود أم الخوف والرجاء ؟ عليه أن يختار ، ولكن لم يختار ، لماذا لا يختار أن لا يختار ؟ عليه أن يضحي ولكن أيضا بماذا ، وهو لا يملك على هذه الأرض سوى ورقة التوت ووعيه بالمأساة . أي وضوح يمكن أن يبلغه الإنسان وهو يسير في الضباب ! هل من الضروري أن نجعل الأشياء واضحة ، إذا كانت هذه الأشياء ذاتها ألغازا صماء مغلقة ؟ الشيء الوحيد الذي بقي لآدم والذي يمكن أن يربطه بالألوهة من جديد هي روحه ، غير أنها ملعونة ملوثة بالوعي . الوعي هو المشكلة لكنه قد يكون مفتاح المشكلة في الآن ذاته .

أتذكر هذا الجد هو أيضا كان منفيا قادما من واحات الجنوب نحو مناطق الشمال ، كان يرابط باستمرار في المسجد ، متكئا على أعمدته الباردة ، مكوما في جلبابه برأس ثقيلة متدلية إلى الأمام . لا شك أنه كان هو أيضا يفكر في القدر والمصير والمنفى . الوعي الصادق لا يمكنه الإلتفاف على هذه الأمور ، الوعي الصادق هو التفكير بالقلب ،مناجاة يقوم بها الإنسان للعمق الباطني لذاته . ما لم يعرف الإنسان كيف يكلم نفسه فلن يعرف أبدا كيف يكلم الآخرين . أما الوعي الزائف فهو ذلك الذي يدعي القدرة إما على تجاهل المأساة أو على التغلب عليها . ولكن في الحقيقة وفي كل الأحوال نحن نفكر لكي نعزي أنفسنا على الفقدان .

أنا أعزي نفسي بالقلب المكلوم على فقدان جدي ، آدم عزى نفسه بالتيه في الأرض وبالوعي المأساوي بالحياة ، جدي هو كذلك كان يعزي نفسه بالصلاة . أما البشرية المعاصرة فهي تعزي نفسها اليوم و يا للأسف ! بأشياء أخرى ، منها الإسمنت والخرسانة ، ومنها الآلات والمحركات ، ومنها أيضا البضائع والأشياء . المأساة الكبرى هي أننا أصبحنا بعيدين عن فهم وإدراك المأساة .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع