أخر تحديث : الثلاثاء 18 فبراير 2014 - 11:05 مساءً

فيلم سينما أسطوريا

ذ. محمد الجباري | بتاريخ 18 فبراير, 2014 | قراءة

صديقي فؤاد، قضيت معه كل طفولتي، كنا نسكن في حي واحد، ندرس في مدرسة واحدة وكانت لنا أيضا هواية جميلة مشتركة.. كنا نعشق السينما، فتجدنا نوفر كل سنتيم طوال الأسبوع حتى نتمكن في آخره أن نشتري تذكرتين وندخل إلى قاعة العرض نشاهد فيلما، لم يكن الأمر يتوقف فقط عند المشاهدة، بل كنا عند خروجنا من السينما يلح علي فؤاد أن أعيد له حكاية الفيلم، فتجدني وأنا أحكي أطلق العنان لخيالي فأزيد مشاهد أخرى وحوارات أخرى، كان فؤاد مستمعا جيدا يتفاعل مع كل كلمة وكل موقف، فتراه مبتسما عندما يكون الموقف مسليا وتراه أيضا حزينا مكتئبا إذا ما كان الموقف دراميا ومؤثرا.
جاءني يوما والفرحة بادية على محياه، أخبرني أن فيلما رائعا وجديدا سوف يعرض لمدة يومين فقط بسينما اسطوريا، جلسنا، وضعنا كل السنتيمات التي جمعناها فوق الطاولة، كم كانت خيبتنا كبيرة حيث لم نكن قد وفرنا إلا ثمن تذكرة واحدة! طلبت منه أن ننسى موضوع هذا الفيلم مادمنا عاجزين عن دفع ثمن التذكرتين، لكن فؤاد كان يفكر في شيء آخر، سرعان ما رأيته يبتسم ويصيح:وجدتها. عرض علي فؤاد أن يدخل أحدنا إلى السينما ويشاهد الفيلم بعد ذلك يحكي ما شاهده للثاني ، أعجبتني فكرته واقترحت عليه أن نقوم بعملية القرعة بيننا، رأيته يفكر مرة أخرى و يقول برزانة و مسؤولية: لا يا صديقي، أنت من تحسن سرد الحكي، أنت أولى مني بالتذكرة!!
ذهبنا سويا، اشترينا التذكرة، بقي معي فؤاد حتى وصلنا إلى الباب الكبير الحديدي للسينما، دخلت، التفت ورائي فرأيته ينظر إلي متحسرا بعينين تائهتين، يشير إلي بيده و يحاول جاهدا أن يضع في وجهه ابتسامة صغيرة، جلست وقد عزمت أن لا تضيع مني أي جزئية في الفيلم ولو كانت صغيرة، فالقضيةلم تعد فقط فرجة عادية لفيلم، بل أصبحت مسؤولية أخلاقية تجاه صديقي فؤاد، فُتحت الستارة، أُطفئت الأنوار، فجأة جلس في المقعد الذي أمامي رجل ضخم الجثة، لم أعد أرى الشاشة بالكامل فكان علي أن أحرك رأسي مرة في اتجاه اليمين و تارة في اتجاه اليسار حسب حركات الرجل! قررت أن أغير مكاني، جلست في الصف الأول… بدأ الفيلم.
عند خروجي من السينما وجدت فؤاد ينتظرني بلهفة
– كيف وجدت الفيلم؟
– رائع صديقي والله رائع
– احك يا محمد احك
أخذت أحكي وأضيف من خيالي، أحكي له كل صغيرة وكبيرة، حكيت له أيضا على الجمهور وكيف كان يتعامل مع أحداث الفيلم، حكيت له عن الرجل ضخم الجثة الذي جلس أمامي، حكيت له عن المرأة التي كانت تجلس بجانبي وهي تحاول إخفاء دموعها متأثرة بموت البطل! حكيت له عن الطفلة التي كانت من حين لآخر تصرخ وتحاول أمها عبثا إسكاتها، حكيت له عن وعن وعن و… المهم جعلت فؤاد يشعر كأنه كان جالسا بجانبي يشاهد الفيلم!
مرت الأيام، كبرنا وافترقنا لكن ظل يجمعنا حنيننا لطفولتنا الجميلة ويجمعنا أيضا عشقنا للسينما
كانت السيدة فاطمة زوجة صديقي فؤاد مولعة أيضا بمشاهدة الأفلام، فكانت تأتي ببعض الأشرطة لسهرة ليلة السبت، فؤاد كانت له طقوس خاصة به عند مشاهدة أي فيلم! كان يلبس ” البيجاما”، ينتظر حتى تنام ابنته الصغيرة سارة ذات الخمس سنوات ليضمن بذلك هدوءا وصمتا، يضع بجانبه فنجان قهوة وبعض المكسرات ثم يطفئ الأنوار
جلس فؤاد وفاطمة يتابعان الفيلم، فؤاد يصاب بالدهشة، يجد نفسه يعرف كل تفاصيل الفيلم بل أدق جزئياته، لم يعد يتابع أحداث الفيلم بقدر ما أصبح في صمت يحاول أن يتذكر أين و متى رأى هذا الشريط
فاطمة أعجبها كثيرا الفيلم، تتفاعل مع أحداثه الدرامية عبثا تحاول إخفاء دموعها عند موت البطل، في الغرفة المجاورة استيقظت سارة، شعرت بالخوف، أخذت تصرخ!
بكاء فاطمة وصراخ الطفلة يعيدان فؤاد لأجواء قاعة السينما وإلى فيلم سينما اسطوريا… يبتسم فؤاد، تكبر ابتسامته، يضحك، يقهقه، سعادته لا توصف كالذي فقد ذاكرته ووجد نفسه صدفة يتذكر كل شيء!
فؤاد يخبر فاطمة أن هذا الفيلم سبق أن شاهده بأذنيه عندما كان الحكي أصدق من العدسة والكاميرا! عندما كانت الكلمة و الخيال أبلغ من الصورة والواقع!
يقوم فؤاد مسرعا، يأخذ هاتفه ويكلم صديقه
– ألو… أهلا محمد
أنالم أستطع ساعتها أن أحدد طبيعة نبرات صوت فؤاد فقد كانت تختلط فيه مشاعر شتى… الفرح، البكاء، الحنين واللهفة..
– أهلا صديقي فؤاد
فؤاد: لقد شاهدت فيلما!
أشعر بالضحك وأرد عليه: تكلمني منتصف الليل لتقول لي إنك شاهدت فيلما!
فؤاد: لا، دعني أكمل، شاهدت فيلما كنت أنت قد حكيت لي عنه
أضحك مرة أخرى و أقول: غالبية الأفلام التي تعرفها كنت أنا من حكيتها لك! ما العجب إذن يا صديقي
فؤاد كأنه لا يستطيع أن يصبر أكثر، كأنه يريد أن يقول كل شيء دفعة واحدة
– لا، اسمعني يا صديقي، شاهدت الفيلم… فيلم سينما اسطوريا الذي لم نكن نملك لمشاهدته ثمن التذكرتين، دخلت أنت للسينما، شاهدت الفيلم ومن بعد حكيت لي عنه، أتذكر؟
– آه صديقي، نعم أتذكره بل أتذكر كل أحداثه وتفاصيله، كأنني فقط بالأمس شاهدته
فؤاد: محمد تعال نمارس هوايتنا القديمة، احك لي عنه مرة أخرى، كم رائع صديقي عندما أسمع حكايته منك بعد أن تضيف إليه لمساتك الساحرة، احك يا محمد احك
وجدتني أضحك مرة أخرى وأقول: صديقي لاحظ أنك تكلمني من المغرب وأنا في هولندا قد يكون الأمر مكلفا!
فؤاد: لا يا صديقي لا تبال، احك يا محمد احك! الكل يهون من أجل اختلاس لحظة سعادة من الماضي، احك يا محمد احك! الكل يهون من أجل أن نستشعر فرحة ولو قصيرة عشناها في طفولتنا… احك يا محمد احك…. الكل يهون من أجل الذكرى … ذكرى سينما أسطوريا ! احك يا محمد احك

*سينما أسطوريا: قاعة سينمائية بمدينة القصر الكبير تحولت حاليا إلى مرآب للسيارات!

شكر خاص لبوابة القصر الكبير التي منحتني شرف لقب شخصية مدينة القصر الكبير لسنة 2013 وعبر هذه البوابة القصرية أشكر كل روادها الذين صوتوا لي … كانت لحظة مؤثرة بالفعل وانا أستلم الشهادة من طرف الاخوة القائمين على هذا الموقع القصري بامتياز وعرفانا لهم ولكل زوار الموقع أقدم حصريا قصة فيلم “سينما أسطوريا ” عربون حب وتقدير وعرفان ..

محمد الجباري
أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع