أخر تحديث : الخميس 20 فبراير 2014 - 9:38 مساءً

بصيص …

ملك مهراج | بتاريخ 20 فبراير, 2014 | قراءة

مضت شهور ربما سنوات لا يهم… فقد ألفت الأصفاد و الجدران الحديدية، و   اتخذت من الظلمة الحالكة دثارا لجسدها العاري . كل يوم يزداد شعرها الأسود  المترامي التحاما بالظلمة، و يصول  جسدها المقيت فتجلده مئة جلدة  و يقبع صاغرا  في الزاوية.

ألفت مدامعها السخينة،  و صرخاتها الخرساء،  و سوط الجلاد … حتى أنها أشياء أصبحت توقظ فيها لذة مازوشية دفينة،  و لم يعد يضايقها إلا تلك النافذة البئيسة،  حيث يلوح بصيص خافت  و تنبعث أصوات  هدير الأطفال  و  الصبايا  تلعبن في مرح  بغيض … أصوات تخرجها من ملكوت  الصمت، و تطرق أبواب مخيلتها النائمة بإصرار  مزعج .

منذ زمن بعيد كانت تشرق الشمس ثم تذوب  كقرص ارجواني في الماء،  كان لكل شيء لون و طعم و رائحة قبل أن يتفحم، و  كانت هي صبية فتية نلهو و تحلم  وتصرخ … أمها تضمها الى صدرها في حنو  و أباها  يلاعبها أحيانا.  كيف صار سجانا و كيف صارت سجينة ؟

-نوضي سننزل في المحطة التالية  …

أيقظها الصوت الغليظ كالصفعة،  و كعادتها مضغت الألم بنهم لا احد يسمع أنينها الصامت على أي حال،  حتى هي. كان الألم يشعرها بالوجود قبل أن يتناثر جسدها كالرماد و يتفحم ، لم يبقى منها الآن  سوى عينين يتيمتين تطلان بحذر من النافذة.  لما لم يفقأ عينيها لترى الوجود ظلمة  مترامية إلى ما نهاية ؟  

كان  الحر لا يطاق، جسدها يهتز العربة ،تهتز ،و القطار يهتز، حين  استيقظت من خدر لذيذ و راحت تطل بعينيها خلسة.  رجل أربعيني يتصفح  جريدة و قد بدا عليه التأفف، شابة في مقتبل العمر  ترتدي بنطالا قصيرا و قميصا مكشوفا من اليد  و تنقر على هاتفها  بخفة، شاب في الثلاثين يجلس قبالتها أمام النافذة  ترتسم على شفتيه ابتسامة  غامضة  يرميها  من حين اخر بنظرات طويلة وقحة  تربك حواسها  … و سرعان ما تغرس عينيها في الأرض،   فقد كان يجلس أمامها في وقار  مهيب …

يكبرها بعشرين سنة ، تقدسه رغم لحيته الشعثة   و جسمه المترهل و نوبات غضبه العاتية. هو المنقذ رغم   كل شيء … لولاه لفاتها القطار.” اطيعي زوجك يا ابنتي، ففي يده شقاءك و سعادتك”  قالت أمها مودعة  بعينين دامعتين و صوت متهدج لا زال يرن في مسمعها ،و ركبت هي القطار الى وجهة مجهولة  …

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع