أخر تحديث : الخميس 6 مارس 2014 - 3:09 صباحًا

100 درهم عصية على الصرف

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 6 مارس, 2014 | قراءة

نظمت عصبة من الأصدقاء صيف عام 1983 رحلة إلى مدينة الدار البيضاء، لزيارة المعرض الدولي، واستثمار قسط من زمن العطلة الصيفية في السياحة والاستجمام، وقد التأم في هذه الرحلة كل من الأستاذ عبد الكريم علوش، والأستاذ بنخدة مسعود، والأستاذ محمد رزاق، والأستاذ أحمد العسري، والأستاذ محمد الموذن، كانوا ستة، وكان على واحد منهم أن يتطوع ليسافر عبر الحافلة لأن السيارة لا تسع إلا خمسة، فكنت سباقا لهذا الاختيار، وقبل موعد الرحلة بليلة واحدة التقيت بصديقي الحفيظ بن ادريس المنصوري الذي يعمل أستاذا بثانوية ولادة بالدار البيضاء، وقد أخبرني أنه عائد إلى البيضاء صباح يوم الغد، ولما علم بأنني سأسافر بدوري إلى نفس المدينة ألح علي مرافقته عبر سيارته على أن يلحقني بأصدقائي في العنوان المحدد.
في اليوم الموالي التقيت بصديقي الحفيظ في مقهى “الصغير”، وبعد تناولنا وجبة الفطور سابقته لأداء فاتورة ما تناولناه من طعام ومشروبات، فناولت النادل 100 درهم غير أنه ردها علي بدعوى عدم توفره على “الصرف”، فبادر زميلي بالقيام بالواجب الحاتمي وزيادة، وبعد حوالي أربع ساعات وصلنا إلى منزله القريب من ساحة وادي المخازن بالدار البيضاء، وبدافع أريحية الكرم وواجب الضيافة تركني بالمنزل وخرج، ثم عاد بما لذ من الطعام والشراب، وفي الساعة الثالثة مساء ألحقني بأصدقاء الرحلة بالحي الحسني، حيث نزلنا ضيوفا عند الصديق محمد الزيزون، المعروف في الوسط الاجتماعي والرياضي ب”الكاف”.
بعد أن اجتمعنا عند “الكاف” أحد لاعبي النادي الرياضي القصري لكرة القدم، ورجل أمن بالبيضاء توجهنا إلى وسط المدينة لنتجول بشوارعها الجميلة، وتناولنا كؤوسا من القهوة في هذه المقهى وفي تلك، وفي كل تلك الحالات كنت أسارع إلى أداء فاتورة الخدمات غير أن النادل كان يتحاشى قبول 100 درهم بدعوى عدم توفره على “الصرف”، وموازاة مع ذلك كان الرفاق يتسابقون من أجل الأداء، وقد تكرر الفعل عدة مرات، وفي كل مرة كانت “المائة درهم” عصية عن الصرف، وتأبى الابتعاد عن جيب صاحبها، وترفض التجزئة والتشردم.
أثار انتباه الرفاق أن المائة درهم التي يرمي بها صديقهم إلى سوق التداول غير مرحب بها، فترد إلى صاحبها بدعوى عدم توفر “الصرف”، فيفسح المجال لصديق بديل لأداء فاتورة الخدمات، حاول جاهدا صاحب المائة ولمرات عديدة أن يقوم بواجبه كباقي الزملاء في المساهمة في النفقة لكن دون جدوى، فالمانع دائما هو عدم توفر “الصرف”، وأمام شبابيك المعرض الدولي المتعددة قال الرفاق: إنها فرصة تفتيت كثلة 100درهم ، غير أنها كانت مرة أخرى عصية على الصرف رغم الدفع بها إلى ثلاثة شبابيك التذاكر، عجيب أمر هذه المائة، صمدت ضد رياح الهجرة خارج جيب صاحبها، وأبت أن تعبث بها أنامل التجار في سوق التداول، تطل على السوق، وتستنشق نسيم الحرية، وتعود بسرعة إلى دفء الجيب خوفا من السرقة أو الاغتصاب، هي متشبثة بصاحبها، وهو يكره فيها هذا التعلق.
لقد أصبحت المائة درهم مستهدفة من طرف الجميع، الكل يخطب ودها، وهي متمنعة في خدرها، لا أحد يجرؤ على لمسها من التجار عندما يقدمها صاحبها ثمنا لخدماتهم، كما كان الأصدقاء يتعجبون ويستغربون لأمرها، وهي بذلك ولدت لدى صاحبها الشعور بالحرج والامتعاض، فهو مطالب أكثر من غيره بالمساهمة في النفقة، وتغطية المصاريف، ليس من المروءة أن تستهلك دون أن تدفع مقابل ذلك ثمنا، وما دامت هذه المائة عنيدة فيجب تغييرها بمائة أخرى من نفس الفئة، وقد فعل، لكن الحال هو الحال، ف 100 درهم البديلة كانت من نفس العينة، قوية صامدة كأختها ضد الإنفاق، فاستبدلها بثالثة، فكانت من نفس “الكومانضو” أعلنت هي الأخرى عن التمرد، وأبت الاستسلام، تخرج إلى السوق بجرأة، وتقتات وتستمتع بما لذ من الطيبات دون أن تخسر من جلدها درهما، وتعود إلى قواعدها غانمة سالمة، وقد أصبحت هذه المائة ووأخواتها مادة دسمة للاستهلاك في مائدة الفكاهة وسمر الأصدقاء.
مضت أربعة أيام من عمر الرحلة، قضاها الأصدقاء في ضيافة الأخ الكريم محمد الزيزون “الكاف”، وقرر السرب العودة إلى حدائق هسبريس، وربى اللكوس إلا صاحب 100درهم فقد اضطر للبقاء ثلاثة أيام أخر استجابة لرغبة أصدقائه بحي اسباتة، الذي كان يقطن به عندما كان يشتغل أستاذا بالبيضاء، أيام جميلة من الزمن البهي، قضاها بين زمرة من الأصدقاء الأوفياء، حفاوة بليغة، واحتفاء بالصداقة والعلاقة الإنسانية النبيلة، التي كانت تربط بين الأصدقاء في ذلك الزمن الجميل، يومان مرا كلمح البصر، و100 درهم في راحة واستجمام، لا أحد يهدد أمنها، فهي إلى جانب أخواتها تتراقص وتنتقل من جيب إلى جيب دون خوف من تاجر أو نادل، وفي اليوم السابع من الرحلة قرر العودة إلى مدينة المذائن، وتجنبا لإحراج سائق سيارة الأجرة طلب من صديقه بوبكر الخياط أن يصرف له المائة درهم العنيدة، فكان الإحراج أكبر، فالصديق بوبكر لا يتوفر على الصرف هو الآخر، فمنح صديقه 10 دراهم من أجل استقالة “طاكسي”، كما تلاحظون: فالمائة لم تعد عصية على الصرف فحسب، بل أصبحت تستقطب دراهم أخرى، وتحرضها على عدم الاستسلام، وعلى التمرد ضد الإنفاق.
وقفت على قارعة الطريق أترقب سيارة أجرة وإذا برجل يسألني بعد تقديم واجب التحية عن وجهتي، فأخبرته أنني متوجه إلى محطة بنجدية، فاقترح علي أن نستقل “الطاكسي” معا ما دام اتجاهه إلى درب عمر، فوافقته على ذلك، ركبنا سيارة الأجرة، ومن حين إلى لآخر كنا نملأ الفراغ، ونتبادل أطراف الحديث، وبعدما تجاوزنا محطة حافلات ابرادلي بقليل استوقفت السائق،
ــ كم سيدي؟،
ــ 5 دراهم،
ــ ناولته 10 دراهم التي منحني صديقي الخياط، فأحجم عن تسلمها بدعوى عدم توفره على الصرف، فتدخل الزبون الثاني ليحمي العشرة دراهم من الإنفاق كذلك قائلا: لا بأس، سأتولى الأداء.
ــ شكرا سيدي، قد نلتقي بالحي، رافقتك السلامة.
ترجلت حوالي 300 متر فوجدتني أمام شباك التذاكر بوكالة حافلة برادة المتوجهة إلى مدينة القصر الكبير، عقارب ساعتي اليدوية تشير إلى الحادية عشرة وثلاثين دقيقة ، لم يبق إلا خمس عشرة دقيقة لانطلاق الحافلة
طلبت تذكرة، وانتزعت المائة درهم من محميتها ورميتها على الطاولة، وكأنني أتخلص من دين ثقيل، أو شيء غير مرغوب فيه، فردها علي الرجل قائلا، ليس لي صرف، انبسطت أسارير وجهي، وأفصحت شفتاي عن ابتسامة خفيفة، لتفسح المجال لضحكة عريضة، وتفجر قهقهة عالية، قرأت وقعها السلبي على محيى الرجل، المتعجب من تصرفي أو جنوني، فقلت له: خذوني إذن إلى القصر بالمجان يا سيدي، فهذه 100 درهم عصية عن الإنفاق، على امتداد سبعة أيام كاملة لم تصادف من يكسر شوكتها، ويفتت كثلتها إلى دراهم، ويقهر عنادها ويصرفها، فشاركني الرجل قهقهتي ونادى على مساعد سائق الحافلة الحاج الحسناوي، سلمني التذكرة وطلب منه استخلاص ثمنها مني.
هكذا غادرت ال 100 درهم مدينة القصر الكبير على أجنحة السلامة، وتجولت بأروقة المعرض الدولي، وبأسواق ومقاهي الدار البيضاء، وعاشت سبعة أيام كاملة، وكادت أن تعود إلى مقرها سالمة، دون أن يمسها نقص، أو يطرأ عليها تحويل لولا محطة الرباط، التي وفرت القدر الكافي لصرفها، حيث ناولني مساعد السائق 75 درهما لأسلمه المائة درهم، الورقة التي صمدت أمام رياح التغيير، العصية على الإنفاق، والتي أحرجت صاحبها أمام زملائه، وهكذا انتهت الرحلة، وبقي في نفوس اًصدقائي شيء من حتى.
القصر الكبير في 04 مارس 2014

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع