أخر تحديث : الأحد 9 نوفمبر 2014 - 11:22 مساءً

متعة المطر البارسي

جمال البكاي | بتاريخ 9 نوفمبر, 2014 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_jamal_bekkai

أعشق السير تحت المطر لأنه المكان الوحيد الذى لا يعلم فيه أحد أننى أبكي ، قالها أحدهم ذات مرة وإنصرف .
حاولت أن أقلده هاته الأيام و أن أتمشي تحت أمطار الخير التى تهاطلت على بلادنا ، و أن أتمتع بالجو الرومانسي الذي يتحدثون عنه في القصائد الشعرية و الروايات الغرامية … لكن قدري كان لي بالمرصاد ، فقد منعني هاته المتعة بحيث وجدت الطوفان عند باب منزلي يدعوني كي أنزع حذائي الملمع وجواربي المثقوبة وأن أطوي سروالي حتى الركبتين كي أستطيع المرور للرصيف الآخر . نظرت يمنة ويسرة لعلى أرى طريقا سالكا أعبر منها … إنها هناك ، بضعة حجارة وضعها مواطنون ” علاليون ” كي يفكوا العزلة عنهم ، تلك هي قنطرة العبور الوحيدة التى سأغادر بها للجهة المقابلة ، وصلت للمكان فوجدت طابور يمتد لثلاثة أمتار أو يزيد في كلا الجانبين ، ” علالى ” متطوع ينتعل حذاءا بلاستيكيا يصل حتى الركبتين ينظم المرور ، تارة يسمح للجهة اليمنى ومرة للجهة اليسرى ، التيار الجارف يحاول زحزحة الحجارة التي تأبى إلا الصمود في مكانها ، امرأة في عقدها الستين تحاول العبور ثم تتراجع ، يشجعها ” علالي ” المرور.. يمسكها بيدها ثم يتمشي معها خطوة خطوة فيوصلها لبر الأمان ليأتي دوري في العبور ، بدأت أخطو فوق الحجارة التى كانت تتمايل جراء عدم استوائها ، ينادي ” علالي ” المرور مهلا مهلا ، توقفت هنيهة ثم إستأنفت السير ، في النهاية وصلت للجهة الأخرى ، الآن سأستمتع بالمشي تحت المطر ، خطوت خطوتين أو ثلاث لأضطر للنظر ورائي جراء صرخة أطلقها أربعيني سقط في التيار ، أسرع ” علالي ” المرور نحوه و إنتشله من المياه العكرة ، إجتمعنا حوله وكل واحد منا يحاول تحريك أطرافه للتأكد من عدم إصابته بكسور ، جاءه مواطن ” علالى ” بقنينة ماء وأخذ يحثه على الشرب منها ، ثم حمل الرجل لمنزله ، إستأنفت مشواري و بدأت أنظر للسماء كي أشعر بذلك الجو الذى يتحدثون عنه ، أحسست بشيء يجدب قدمى للأرض كالمغناطيس ويعيقها عن الحركة ، نظرت لللأسفل ، فوجدت أن الوحل قد غطى حذائي الجذاب حتى زال لمعانه ، ضربت الأرض بقدمى تعبيرا عن الغضب ، ثم أخدت أزيل الوحل بقطعة معدنية لعلبة سردين قديمة ، وبينما أنا كذلك إستل ” علالي ” آخر ثلاث مناديل ورقية وقدمها لي ، ثم إستطرد قائلا إنتبه مرة أخرى أين تضع قدمك ، و توارى عن الأنظار دون أن يترك لي الفرصة كي أشكره ، كم أنتم رائعون أيها ” علاليون ” تقدمون الخدمات دون مقابل شكرا لكم ، بعد الإنتهاء قصدت الرصيف وبدأت أتمشى متناسيا كل شيء حتى أشعر بما يشعر به الرومانسيون والشعراء ، لكن لا شيء من ذلك راودني ، فما زلت لم أنسى سقطة ذلك الشخص ، والوحل الذى غطى حذائي الأنيق … وبينما أنا كذلك جاءت سيارة و اخترقت بركة ماء ليتطاير هذا الأخير نحوي ويبلل ملابسي ، أخرج السائق يده من النافذة ليعتذر ثم انصرف …
كم أنتم كاذبون أيها الشعراء تتحدثون عن متعة لم أجدها أثناء سيري تحت المطر ، هرولت كي أصل للمنزل في أقرب وقت حتى لا أصاب بنزلة برد ، وفي طريقي لم أتوقف عن لوم هؤلاء الكاذبين ، وصلت للطابور لأجد المفاجأة ، فقد جرف التيار الحجارة ، نزعت حذائي الكئيب و جواربي المثقوبة ثم طويت سروالي حتى الركبتين و إخترقت التيار ، غيرت ملابسي ثم جلست أراجع الأفكار لأهتدي في النهاية أن الشعراء لم يكونوا كاذبين لكونهم كانوا يتحدثون عن المطر البارسي ، مطر باريس عاصمة الأنوار ، أنا الذي أسأت الفهم ، اعتذرت منهم وأغمضت عيني لعلى أنام …
هذا هو واقعنا بنية تحتية مهترئة ، في كل عام يتكرر نفس المشهد كأن الزمن يعيد نفسه ، تتوالى السنوات تباعا نفس الوعود نفس الأقاويل نفس المشاهد نفس الكوارث نفس الضحايا … ، تعبنا من الروتين المقيت فإلى متى تستمر هاته المهزلة ؟؟؟؟؟
وتستمر الحياة …

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع