أخر تحديث : الإثنين 24 نوفمبر 2014 - 8:01 مساءً

التبرك بالمجهول

جمال البكاي | بتاريخ 24 نوفمبر, 2014 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_jamal_bekkai

… هكذا كنا نقتحم عالم الأموات بلا إستئذان ، نمر قرب ضريح سيدي عبد الله المظلوم بهدوء كي لا تطردنا النساء اللواتي يقبلن الحجارة وبعض الكرات الحديدية ، نقصد أطراف المقبرة مخلفين ورائنا شواهد الموتى التي نتعمد أن لا ننظر إليها خوفا من أن نصاب بعدوى الموت ، ثم نبدأ بالبحث عن ذلك النبات الشائك الذي أحببناه حتى الثمالة و المسمى ” العشلوش ” .
نختبئ خلف القبور عند رأيتنا للسكارى وهم يتمايلون ويرتعشون كأجساد صعقت بكهرباء ، نطل برؤوسنا ثم ننحني كفلين صنارة تشير للصياد أن يسحب الطعم ، نخرج من أوكارنا بعدما تتوارى أجسامهم خلف أشجار ” الصابرة ” لنستأنف البحث مرة أخرى … عندما نحس بإقتراب وقت الدراسة نغادر المكان … وفي طريق العودة نقذف الكلاب الضالة بالحجارة ، نكسر قنينات النبيذ التى خلفها السكارى ، نهرب من القطط السوداء معتقدين أنها جني … إلى أن نصل لإبتدائية السدراوي…. عند باب المدرسة نجد من يستقبلنا إستقبال الأبطال ويطلبون منا أن نحكى لهم ما شاهدناه هناك … نطلق العنان لمخيلتنا و نبدأ بإختلاق قصص لا وجود لها حتى في أفلام الخيال العلمي … أما آخرون فكانوا يتوعدوننا بكون الجني سيزورنا لليلة وعندها ستنتزع منا الروح لتشيع لمثواها الأخير … بداية أصبت بالرعب و تمنيت لو أنى لم أذهب إلى هناك ، نصحني أحدهم أن أضع تحت وسادتي ملحا وسكينا كي لا يجرئ المارد على الإقتراب منى ، و هذا ما فعلته في تلك الليلة … بعدها قررت أن لا أنام كي أحمي نفسي من الموت … لملمت نفسي في غطائي ولم أترك للمارد فجوة يمكن أن تمتد يده منها ، ثم سهرت ليلتي تلك أعد الدقائق و الثواني الجامدة … أغفوا تارة و أصحوا أخرى… لقد كانت ليلة طويلة …. لم أستطع خلالها مقاومة إغراءات النوم الذي إختطفنى على حين غرة ……….. . مع تسلل أولى خيوط النور ، دغدغتني أصابع اليقظة لأدرك أن الليل قد أفل وحل محله الصباح ….. شيء لا يصدق !!!!!!! ….؟؟؟؟؟ لازلت على قيد الحياة … إبتسمت فرحا ورقصت رقصة المنتصر ، ثم حملت محفظتي و توجهت للمدرسة كي أفند نظرية الآخرين … ومن لحظتي تلك صرت رفيقا للموتى ، أذهب لمطعم السيد المظلوم لآكل الوجبة المجانية دون رهبة ، خوفي الوحيد أن يراني أحدهم و يخبر أفراد أسرتي … هكذا توالت الأيام تباعا إلى أن جاء اليوم المشؤوم …
في أحد الأيام سمعنا هرجا ومرجا عند المقبرة ، إتجهنا نحوها لنجد المفاجأة ؟؟؟؟؟؟ …… !!!!!!!….. ؟؟؟؟؟؟؟ مشهد لم نتعوده من قبل ، زوار كثر حول الضريح … ، إخترقنا بأجسادنا الصغيرة تلك الجثث إلى أن وصلنا قبر هذا السيد ، نظرنا إليه فأصبنا بالإنبهار !!!!!! !!!!!!….. حفرة عميقة بدل ذلك القبر المنمق … ما الذي حدث ؟؟؟؟؟ علامات إستفهام بدأت تتراقص في ذهني ؟؟؟؟؟؟ بداية إعتقدت بأن أحد السكارى قد سرق رفات هذا السيد لغرض ما … ساد صمت رهيب …… بعد برهة سمعت أحدهم يتحدث فأطلقت العنان لأذني كي تتلصص على ما يقوله … لأكتشف في الأخير أن قراصنة الكنوز قد مروا من هنا ليلا و إستخرجوا من قبر السيد المظلوم صندوق مجوهرات ونقود ذهبية ؟؟؟؟؟؟؟ إتضحت الصورة الضبابية !!!!!!!!! فهذا القبر الذي كن يتبركن به مجموعة من النسوة ليس سوى كنز ثمين …… !!!!!
فجأة ؟؟؟؟؟ !!! !!! ؟؟؟ خرج صوت خشن من الجموع المحتشدة وكان ورائه أحد السكارى الذي إعتلت وجهه مجموعة من الجروح و الكدمات … فأخذ يسب قبر السيد المظلوم أو بالأحرى حفرة السيد المظلوم ويصرخ : لقد خذلتنا أيها السيد اللعين ، قضينا قربك الليالي الطوال لكنك لم تكشف لنا عن سرك الدفين … تبا لك … ثم أخرج قنينة نبيد كانت مثبتة في حزام سرواله و أخذ يشرب منها وهو يردد : الفقر ينخر أجسادنا وأنت إلتزمت الصمت لسنوات طوال ….. تبا لك لست أنت المظلوم !!! بل نحن هم المظلومين ….. نحن هم المظلومين … ثم أخذ يركل التراب ….. إلى أن نال منه التعب مبلغا فجلس القرفصاء وبدأ بالنحيب كطفل صغير إنتزعت منه قطعة حلوى …. رحل الجميع و إبتعد ضجيجهم ثم ساد صمت بعد آخر خطوة … بدأت أنظر للسكير المسكين وهو يشرب من فم القنينة اللعينة ثم ينظر للحفرة محدقا للفراغ القاتل ، تأملت المشهد جيدا وقررت بعدها أن لا أعود للمقبرة ، وبهذا الحدث أهمل المكان …
رجعت للمدرسة ولسان حالي يقول السكير كان محقا لقد خذلنا نحن أيضا السيد المظلوم كونه لم يخبرنا بمكان المجوهرات … لكن كيف يخبرنا وهو ميت أو بالأحرى غير موجود أصلا … ؟؟؟؟ عجبا ؟؟؟؟ إذا كان غير موجود فهو إذا لا شيء … فهمت الآن …… أولائك النسوة كن يتبركن من لا شيء … تبا للجهل …
الآن وقد مرت سنوات طوال على الحدث أضن أن جراح السكير قد شفيت بعد ما تحولت المقبرة لساحة إسمها ساحة سيدي مظلوم و الموجودة في طريق الرباط بالقصر الكبير، لكن جرحي لم يندمل بعد ، لكون إسم الساحة لا زال يذكرني بالسراب الذي كان يتبرك به النسوة ، كنت أحبذ أن يمحى هذا الإسم الذي يدل على المجهول ويحل محله إسم دال على المعلوم… كساحة محمد الخمار الكنوني أو ساحة الأستاذ صاكالا ، أو ساحة عبد السلام عامر … حينها سنحمي هاته الشخصيات التي طبعت ذاكرة المدينة من النسيان و الإندثار أبد الدهر …
وتستمر الحكاية …… فلا زالت عادة التبرك بالموتى تعشش في كثير من المناطق المغربية….. ؟؟؟؟ خرافات و أوهام نتخبط فيها حتى النخاع …. ونريد ركب قطار الحضارة …. من سابع المستحيلات أن نمتطي هذا الركب …..
إذا فما العمل ؟؟؟؟ ما يتوجب علينا فعله هو التخلص من هاته المعتقدات الفاسدة ، وتصحيح المسار بإتباع البوصلة التي تؤدي لبر الأمان …وإلا سنبقي متخبطين في براثين الجهالة لسنوات ضوئية …… لتستمر الحياة ….

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع