أخر تحديث : الخميس 4 ديسمبر 2014 - 8:08 مساءً

حافلة وزان

عادل البدوي | بتاريخ 4 ديسمبر, 2014 | قراءة

badaoui

تبدأ الاستعدادات للعودة إلى تالة مساء الأحد، خضر و فواكه و قطاني و ما تيسر من لحم أو دجاج، و حقيبة بها ملابس و متعلقات شخصية، كنت كالمسافر بالطائرة أو أكثر، ألتزم بوزن الحقيبة التزاما صارما، و كثيرا ما قاومت بضراوة رغبات الوالدة و هي تحاول أن تدس في حقيبتي بعض ما قد يعينني على تحمل الحياة القاسية في تالة.
أستيقظ يوم الاثنين باكرا، أسرع للمحطة أملا في حجز مكان لي في حافلة وزان التي تنطلق في العاشرة، و من سخرية الأقدار أنني كنت دائم التهكم على هذه الحافلة في السابق، فمشهد الحافلة التي تقطر زيتا و التي على ظهرها جبل من “البيدونات” كان مضحكا و طريفا.
أصل المحطة و أظفر بمقعد، الركاب خليط من مدرسين في طريقهم إلى مدارسهم و ركاب عاديين، تنطلق الحافلة و سرعان ما أخسر مقعدي لصالح شخص مسن أو أمرأة، سائق الحافلة شخص متوسط العمر، ينشغل بالوعظ الديني أكثر من انشغاله بالسياقة، فما إن يجد فرصة حتى ينطلق مستظهرا ما حفظه من خطب و محاضرات و مواعظ، يلقيها بلهجة مشرقية، مما يزيد من شقاء الرحلة الشاقة أصلا، تستمر الحافلة المهترئة في قطع طريقها بسرعة قاتلة – للأعصاب- و لا نصل وزان إلا بعد ثلاث ساعات رغم أن المسافة لا تتجاوز الستين كيلومترا.
نصل أخيرا، تلفظنا الحافلة، أودع أصدقائي و أقتني جريدة، أسرع الخطى نحو شجرة زيتون عند مخرج وزان باتجاه الشاون، يمر وقت غير يسير حتى يأتي “خطاف” بسيارة ميرسديس عمرها أكثر من نصف قرن، يقف بها مرة أو اثنتين لتبريد المحرك رغم أن المسافة لا تتجاوز تسع كيلومترات و الفصل شتاء، علمت فيما بعد أن “السيدة الألمانية” قد فقدت كل أوراقها و صارت متشردة على طريق وزان الجابريين، أودع الخطاف الذي كنت أسعى لكسب وده و رضاه، و أبدأ رحلة الست كيلومترات صعودا على الأقدام، و هي رحلة أتحمل فيها ثقل الحقيبة و الأكياس التي أحملها بيدي، كما أتحمل فيها نباح الكلاب و نظرات الأطفال و تحرش الحطابات.
أصل أخيرا، ربما كلمة منهك أو متعب لا تفي بالغرض، أمر بالبيت أضع أغراضي و أذهب للمدرسة، كل مرة أعود فيها ينظر إلي التلاميذ بغرابة و كانني لست الشخص الذي غادرهم منذ يومين، أستأنس بالأجواء تدريجيا، أستسلم لمصيري بسرعة، فالمقاومة كانت تضيف حطبا جديدا للجحيم الذي أعيشه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع