أخر تحديث : الخميس 11 ديسمبر 2014 - 1:00 صباحًا

هو الصديق الوفي

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 11 ديسمبر, 2014 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_mouden_med

بعد أن أرخى الظلام رداءه، حوالي الساعة الثامنة مساء، سمعت نقرا خفيفا على الباب، حولها القلق والتخوف ضربات قوية في جوارحي، زلزلت كياني المضطرب أصلا، وقلت بصوت خافت:

من؟
أنا امحمد
افتح
كان أحد أصدقاء الدرب المخلصين، طلب مني أن أرافقه إلى منزله المنواجد في الزقاق الخلفي المجاور، لأتناول معه وجبة العشاء.
ولأجنب صديقي الوفي الإحراج، وأنأى به عن منطقة جاذبية الشكوك والاتهام اعتذرت له عن الاستجابة، غير أنه ألح في الطلب، ورغم أنني أخبرته عما يمكن أن يلحقه من أضرار، وتجلب له هذه الضيافة لرجل يتحرك داخل دائرة الضوء، ومربع التتبع والمراقبة من مشاكل أصر على مرافقتي له ، وأقسم الأيمان ألا يعود إلى بيته إلا وأنا معه، مدعما إصراره بقوله: إنك صديقي ولن أتخلى عنك، وأنت فوق كل الشبهات، ولا شأن لك بالسياسة، خفف من روعك، وهيا معي، وليكن ما يكون. أجبت دعوته ورافقته إلى بيته القريب من مسكني، وقد أكرم العزيز ضيافتي، وبات يستضيفني مساء كل يوم حتى هدأت العاصفة، هو الوحيد الذي ظل وفيا يؤنس وحدتي، ويخفف عني وساوسي، ويشحنني بالثقة في النفس والعدالة، كان شجاعا وربما متهورا، لست أدري، كان رب أسرة متوسطة الحال، أبا لابن وابنتين، يشتغل عاملا بمعمل أسطرا للصباغة، ودودا ومنبعا للكرم والوفاء.
عندما عدت من ضيافة صديقي امحمد بعد منتصف الليل بقليل وجدت الأستاذ الطيب- شريكي في السكن- قد حلق ذقنه، وتخلص من لحيته التي قدتجر عليه بعض المتاعب الإضافية، وسحب من سبورة الصالون صوره الشخصية التي تظهره بلباس رياضة الكاراتي، كان صديقي امحمد الطيب أكثر مني تخوفا واضطرابا، وكنت أكثر منه بالعدالة الإلهية إيمانا، وبالبراءة قناعة وإحساسا.
تثاقلت حركة الزمن وسيرورته، وتمططت المسافة الزمنية بين اليوم والغد، وبين الآن وموعد العطلة الربيعية، قد أرهقني العد والحساب، عشرة أيام بلياليها، تسعة أيام وأربع ساعات، ثمانية أيام، سبع ليالي كاملة تفصلنا عن موعد العطلة الربيعية، ما لهذا الزمن لا يتحرك؟، أريد أن أفر بجلدي من سهام ألسنتهم، وسهام غمزاتهم ونظراتهم، ليت لي أجنحة أطير بها إلى مدينة القصر الكبير حيث دفء العائلة والأصدقاء، وحيث الشعور بالأمن والآمان، ليتني أمتلك قدرة اختزال الزمن فأجعل مستقبله حاضرا، وموعد العطلة آنيا، ولكن هيهات ثم هيهات.
رجلا أمن لا يتجاوز عمرهما العقد الثالث يترصداني أينما ذهبت وحللت ويراقباني عن قرب، أينما رحلت وارتحلت، أرمقهم في محيط الثانوية، وفي الحافلة “الطوبيس”، وعند دخولي السينما، ويتقفيان خطاي أينما توجهت، أحس بهما بالفراسة والحدس، وأرقيهما أيضا سواء كانوا أمامي أو في الخلف، وأشعر بهما عندما يسلمان مهمة مراقبتي إلى بديليهما، لا أدري عدد التقارير التي حرروها في
شأني، وعدد البرقيات المتبادلة بين شرطة الدار البيضاء والقصر الكبير مهد شبابي وطفولتي.
وبقدر ما يقترب موعد العطلة بقدر ما تتناسل الأخبار والإشاعات السلبية بخصوبة كبيرة، فيكبر معها حجم مخاوفي، كيف لا وأنا صديق الأستاذ أحمد الملياني الملازم له في كل وقت وحين؟، كيف لا وأنا الذي
جالست عمر دهكون “الفقيه” عشرات المرات بإقامة أحمد الملياني؟، كيف لا وأنا صديق الأستاذ مصطفى الرمضاني؟، كيف لا وأنا صديق الأستاذ عبد القادر الشاوي؟، أنا جاهز ومتوقع لكل الاحتمالات، أنتظر استدعائي من طرف الشرطة أو قاضي التحقيق في أية لحظة، سواء ضمن قائمة الاتهام أو لائحة الشهود، ومستعد لكل ذلك فكريا ونفسيا، فالقضية قضية وقت فقط، فوضت أمري لله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، لقد تزودت بشحنات قوية من الإيمان، وتشبعت بقيم العدالة الإلهية، وأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وأن بعد العسر يسرا، وأن الصبر مفتاح الفرج، أو هكذا منيت النفس.
وأخيرا وصل موعد العطلة الربيعية، وسافرت إلى القصر الكبير لأرتمي بين أحضان أسرتي، وألتمس الدفء الذي افتقدته في البيضاء هذه الأيام، وأستمد القوة والأمل من أمي وأبي وإخوتي، كما طمأنني صديقي الأستاذ المهدي المجول- زميلي في الدراسة الثانوية والجامعية-، والذي كان يشتغل آنذاك بليسي مولاي عبد الله بالدار البيضاء، وكان يزورني أحيانا في بيتي، فتعرف على الأستاذ أحمد
الملياني عن طريقي، كما كانت له ثقافة جيدة بشؤون الأحزاب والسياسة، ويقرأ الصحف والجرائد بانتظام، طمأنني بكوني لست منخرطا في أي تنظيم سياسي، وأن عيون المخزن لا تخطئ التصويب، وإن تم استدعاؤك فمن أجل الشهادة وتعميق التحقيق، سرى مفعول هذا الكلام في نفسي سريان الدم في الشرايين، والماء الزلال في جوف العطشان، أعاد لي ارتياحي وكان لي فيه شفاء، إلا أن الحال لم يدم طويلا، ففي اليوم الموالي بينما كنت استمع إلى أخبار الظهيرة في إذاعة الرباط طرق مسمعي بلاغ وزارة الداخلية المروع: “الأستاذ أحمد الملياني متهم بوضع قنبلة تحت سيارة قنصل الولايات المتحدة الأمريكية بالدار البيضاء، وبوضع قنبلة في مسرح محمد الخامس بالرباط، انتهى”، انتهى البلاغ، ونشط من جديد بركان القلق النفسي الذي كان قد خمد ولو إلى حين، فقد زلزل البلاغ كياني، وعمق جراحي، وزعزع ثقتي العمياء في صديقي الملياني، وتحول موقفي من اليقين إلى الشك، وشرعت في استقراء بعض أحداث الواقع بمنظور جديد، ومؤشرات معيارية جديدة كذلك، تراءت أمامي حالات وصور ووقائع، وشخصت أمام أعيني صورة الفقيه وهيأته وهندامه، وأعدت شريط الفقيه عشرات المرات أمام مخيلتي، وبين جفون ذاكرتي، عساني أكتشف خيطا ولو رفيعا أربط به فصول الأحداث، ومفتاحا لحل جملة من الألغاز.
حضرتني اللحظة حكاية بل حادثة، سرد وقائعها وجزئياتها على مسمعي صحبة أحمد الملياني صديقي مصطفى العجان- الذي كنا نلعب معا في صفوف فريق النادي الرياضي القصري بمدينة القصر الكبير، والذي كان رجل أمن بمدينةالدار البيضاء، والذي كنت أصحب معي الأستاذ الملياني أحيانا عند زيارته في بيته القريب من مقهى لاشوب -، وقد حكى لنا صديقي الشرطي أنه كان مارا فجر “الأمس” بجانب قنصلية الولايات المتحدة، فوجد حشدا من الناس وعددا غير قليل من رجال الأمن، على خلفية تبليغهم من طرف أحد رجال النظافة: أن تحت إحدى السيارات علبة من الورق المقوى، ينبعث منها صوت
كدقات الساعة، كانت السيارة للقنص الأمريكي بالبيضاء، أمر ضابط الأمن الممتاز بإبعاد هذه العبوة عن مجال القنصلية.
. أبعدوها، ضعوها هناك في الساحة.
ولم يجرؤ أحد على لمسها أو الاقتراب منها إلا صديقي الشرطي، والذي لم يكن في وقت عمل، فأخذها ووضعها حيث أمر الضابط، وبعد حوالي عشرين دقيقة حطت طائرة “هليكوبتر”، نزل منها جنرال وضباط عسكريون مختصون في إبطال مفعول القنابل ونزع الألغام، طلب الجنرال إرجاع العلبة إلى مكانها تحت سيارة القنصل أو السفير لا أدري، وأمر ضابط الشرطة صديقي مصطفى بإرجاع القنبلة إلى موضعها.
جد الجد، ووعى الجميع بخطورة الأمر، وحاول صديقي التملص، لكنها أوامر الضابط، لا تناقش ولا ترد، حمل العلبة بيدين مرتعشتين، ورئيسه يحثه على الانضباط ويشجعه على التماسك، وضع العلبة تحت السيارة تم أعادها إلى الساحة بعد تصويرها من طرف خبراء الألغام، أما أنا وصديقي أحمد الملياني فكنا نتسلى بورطة زميلنا، ونطلب منه المزيد من الحكي والأخبار لإثارة مزيد من الضحك والاستهتار.
أحداث تتسارع، وأخبار تتوالى، والشك أصبح يزحف على اليقين، وأنا أتأرجح ين الكائن والممكن والمستحيل، وأردد في أعماقي: إن كل الحقائق نسبية، وأخذت تدريجيا أستسلم لمفعول بلاغات وزارة الداخلية، وأخبار الصحف والإذاعات، قفزت صورة الفقيه مرة أخرى إلى واجهة الذاكرة، وكأنها تستفزني
أو تحفزني على مزيد من التروي والتأني، وعدم التسرع في إصدار الأحكام، الفقيه رجل وقور، هادئ متواضع خدوم، يستحيي أن يقحم نفسه في حوار ثنائي بيني وبين الأستاذ الملياني في قضايا التربية والتعليم، أو أثناء سجالنا حول الرياضة وأخبارها، أو عند حديثنا عن برنامج لعب فريق الثانوية ضد بعض المؤسسات التعليمية وفرق الأحياء، فقط ينطق بمصطلحات لعبة الشطرنج عندما يكون يمارسها بشغف كبير، في نزال حماسي ضد الأستاذ الملياني، أو في مباراة تعليمية تدريبية لفائدة الأستاذ الموذن، وقد استحضرت ما قاله لي يوما الطالب الجامعي
عبد اللطيف الشواي أحد أصدقائي الأوفياء، والذي كان يزورني أحيانا في منزل الأستاذ الملياني، ويستضيفنا مرارا لتناول وجبة الغذاء أو العشاء في بيت عائلته الكريمة-:”الفقيه دماغ واش من دماغ”، يقصد أن الفقيه رجل فكر كبير، وعقل راجح، وذكاء خارق، فلم أكثرت بما قال، وحسبت أن الفقيه تحدث مع الطالب في أمور الفقه والتفسير وأصول الدين، فانبهر عبد اللطيف بذلك وكفى، ولكنني اليوم أستحضر هذا الحكم المعياري، وأحاول إعادة صياغته واستثماره كمفتاح
لفتح قفل الفقيه وفهم شخصيته، قد يكون الفقيه هو عمر دهكون، وقد يكون فعلا زعيم الخلايا السرية كما يزعمون، وقد يكون فقط مجرد فقيه مهتم بقضايا المجتمع، بدأ يتعلم أبجدية السياسة ليس إلا.
مرت العطلة الربيعية كلمح البصر، وتلبدت سمائي من جديد بغيوم القلق، فأبرقت وأرعدت، وعدت إلى الدار البيضاء متوقعا السيئ والأسوأ، سألت الجيران إن كان قد سأل عني أحد، واستفسرت الكاتبة عائشة، فكان جوابها كالجيران: لم يسأل عنك أحد، ولا داعي للخوف والقلق، لقد قرأت بفراستها ما يجول بخاطري، وفهمت خلفية السؤال فلم تبخل بالجواب. خمد بركان القلق تدريجيا، واسترجعت شيئا من هدوئي وتوازني، وضاعفت الاجتهاد في مهنتي، وركزت كثيرا على العمل داخل القسم بعد أن جمدت نشاط نادي الثقافة والمسرح ولو إلى حين، تجنبا للحرج والإحراج المفترضين، وضاعفت من نشاطي الكروي مع النادي الرياضي المدرسي، ومع نادي القصر الكبير، وكأني بذلك أفر من وحدتي، أو أغلب جانب المرح والأمل على جانب الحزن والأسى، لأسترد حيويتي وتوازني.

 

* من سلسلة شرود سياسي في مسار تربوي ـ الفصل السابع ـ

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع