أخر تحديث : الإثنين 15 ديسمبر 2014 - 6:56 مساءً

النعناع

عادل البدوي | بتاريخ 15 ديسمبر, 2014 | قراءة

badaoui

السي علي فلاح بسيط، طيب و “نية” إلى حد السذاجة،بعد موت زوجته وجد نفسه مضطرا للزواج من أخرى، صحيح أنه تخطى الستين بسنوات، لكنه لا يستحمل أن يقال عنه أنه ” خارج الخدمة”. اختار له المقربون “الزوهرة” و هي شابة مطلقة من الدوار، أظهرت العروس ورقها كله منذ الليلة الأولى، ستخدمه و ترعى كل طلباته، لكنها لن تدعه يمس منها شعرة واحدة، لم تهدده بالانتحار، بل بقتله و هو نائم أو دس السم في طعامه، رضي بالإتفاق الذي يبدو أنه أنقذه من فشل محتمل.
استسلم لمصيره و تحمل سلاطة لسانها و تعنيفها الدائم له، استحمل غيابها في بيت عائلتها لأيام. لكن الذي أثقل كاهله هو “زائر الليل الثقيل”. فقد اعتاد جاره “قدور” مؤخرا على زيارته كثيرا، ما كان يزعجه ليس الزيارة في حد ذاتها، بل الطلبات الغريبة للزائر الثقيل، كان يطلب شايا -و هو أمر مقدور عليه-، لكن بنعناع “غرسته” الواقعة بالربوة البعيدة، بل و يشترط أن يكون مقطوفا حالا، كان يمانع و يحاجج بتأخر الوقت و كبر سنه و بوجود حوض نعناع آخر بباب الدار، لكن الضيف كان يبدي غضبا و يهم بالمغادرة، ليأتي صوت زوجته حاسما: حشومة!! غادي دير لينا التبهديلة، نوض آراجل جيب النعناع.
تضع الزوهرة الماء في الغلاي و ينهض السي علي متثاقلا يجر رجليه، يحمل ” لامبة” و يذهب للغرسة متحملا طول الطريق و نباح الكلاب و قساوة البرد حينا، و انهمار المطر حينا آخر، يلعن في سره ما لا يستطيع لعنه في العلن. يصل بعد أكثر من نصف ساعة، يقطع بعضا من “النبات الملعون”، ثم يقفل عائدا و قد أعياه الجهد، يصل فيجد الضيف بانتظاره مع ابتسامة عريضة، غالبا ما كان ينصرف بعد شرب نصف كأس و أقل، مما يزيد من غضب السي علي و سخطه و هو يرى أن تعبه يذهب سدى.
بعد مرور أسابيع قليلة انقطعت زيارة قدور، و تزامن ذلك مع تغير معاملة زوجته له حيث صارت أكثر رفقا و ليونة، نَعِمَ بهذا الهدوء الذي لم يدرك أنه تمهيد للعاصفة، فلم تمض أيام حتى زفت له زوجته الخبر الصاعق: أنا حامل!
أحسن بالدوار و قال بانفعال: شكون بيك آبنت الحرام؟؟ ليكون رد الزوهرة مزلزلا حيث تمرغت في الأرض و جمعت عليه ” أمة لا إله إلا الله” و علا صياحها:العاداو آعباد الله الشارف كيشك فيا. حاول السي علي أن يقنع نفسه أن معجزة حمل مريم العذراء يمكن أن تتكرر مع الزوهرة لكنه كان قد سمع من خطيب المسجد أن زمن الأنبياء قد ولى و انتهى. كانت الزوهرة من الدهاء بحيث قررت أن تتغذى به قبل أن يتعشى بها، توجهت لمركز الدرك و سجلت ضده شكاية بالضرب مصحوبة بشهادة طبية مع شاهد إثبات.. و من غيره؟! … جاره قدور عاشق النعناع، قضى السي علي فترة في السجن، و عندما خرج كانت الزوهرة قد تطلقت منه و ولدت”كريمة”، امتنع عن الاعتراف بها و الانفاق عليها، و هي الممانعة التي كلفته فترة سجن ثانية .
كانت حكاية السي علي مع الزوهرة و النعناع و الحمل أصبحت فاكهة كل مجالس القبيلة وليس فقط القرية، ليقرر السي علي مغادرة القرية و الاستقرار عند ابنه في المدينة، مرت ثلاث سنوات كانت كافية لاشعال نيران الشوق لقريته و أرضه، ظن أن حكايته قد أصبحت نسيا منسيا، لكن أول ما سمعه عندما وصل لقريته: السي علي، كاين شي نقلة من نعناع الغرسة؟

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع