أخر تحديث : الأحد 21 ديسمبر 2014 - 10:01 مساءً

وجها لوجه

عبد الواحد الزفري | بتاريخ 21 ديسمبر, 2014 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_zefri_abdoo

ولدت صداقتي بعزيز وترعرعت ثم نضجت في مدرسة المعلمين بطنجة ؛ هو غادر جامعة الاقتصاد وفضل ولوج التعليم مختصرا طريقه إلى الوظيفة، وأنا بدوري تركت الجامعة لنفس الغرض.
كان عزيز شابا لا هو بالمليح ولا هو بالقبيح، ذا مرح لا يفتر؛ قبل الدخول إلى الأقسام يمازحنا بخفة ظل فراشة، وداخلها يقتل فينا الملل ببشاشة، وفي “كورنيش ” طنجة يُسْكر فينا الأمل. كل مرة يُبدع حدثا يجعلنا جميعا ندخل في هيسترية من الضحك الهادف؛ أتذكر أننا دخلنا في اعتصام مفتوح بساحة المدرسة احتجاجا على تأخر صرف منحنا، فجاءنا المدير يختال في وثوقية قدرته على فك الاعتصام، قبل أن يرتد للوزارة رمشها.كانت بذلته أنيقة وحذاؤه يعكس أشعة الشمس من وراء ضباب. حوله تحلقنا كما لو أنه سينفث أموالا في جيوبنا الفارغة، وبعدما قهقه قال:
– أكْلُكم ونومكم مضمون في مدرستنا، فَلٍمَ التسرع في طلب منحة كلما تأخرت تضَخَّمت؟!
أجابه رفيقنا علي الملقب ب ” ماركس ” بسبب لحيته الطويلة المنفوشة:
– سيدي المدير… وا مديراه! لم أعد أمتلك ولو شفرة واحدة أحلق بها ذقني.
رد عليه المدير بمكر كبير بعد أن قهقه ثانية:
– لا بأس، زرني في إدارتي وسأمنحك بدل الشفرة شفرات.
في تلك اللحظة بالذات انسل عزيز وتنحى ركنا خفيا. رأيته بأم عيني يمسك سكينا ويحدث ثقبا كبيرا بقاع حذائه ثم انتعله وعاد ليندس داخل الحلقة. رفع رجله مبرزا قاع حذائه صوب وجه المدير حتى بدا الثقب الكبير كأنه انعكاس لثقب الأوزون، وصاح ببلاهة مفتعلة:
– سيدي المدير… وا مديراه! هل أزور إدارتكم أنا أيضا، كي تمنحني بدل الحذاء أحذيةً كالتي تنتعلُ؟
قهقه الجميع بمن فيهم مدير المدرسة الذي أطرق رأسه، رفع إبهامه نحو السماء، ورسم في الهواء رفضا قاطعا ( لا ) ثم اتجه صوب إدارته ممتعضا من فشل مهمته.
تجدرت علاقتنا بعزيز أكثر لما غادرت رفقة بعض الزملاء داخلية مدرسة التكوين بمطعمها البئيس، واكترينا ” بانسيونا ” بزقاق ضيق ب “سوق الداخل ” توقا للحرية التي تشترطها طنجة الساحرة؛ كنا لا نكاد نفارقه إلا بعد التسكع قبل النوم، بل أحيانا كثيرة كان يبيت معنا بالبانسيون؛ بعدما يحضر من بيت أسرته: طاجينا، لحما، أو دجاجا محمرا، أما الكسكس فلم يكن ليُفَوِّتَ علينا طقوسه؛ يأتينا به كل جمعة كي لا نحس بغربتنا ( وكأننا في بلاد المهجر ). كان عزيز عزيزا علينا جميعا، كان مثالا للشهامة بكل معاييرها الكونية؛ إن نفذت نقود أحدنا يقرضه مبلغا – قبل أن يطلبه – ، وإن أصيب أحدنا بوعكة صحية، هو من كان يصحبه إلى أخيه الطبيب ليفحصه مجانا، بل قد يعطيه بعضا من الأدوية المتوفرة لديه.
في عز امتحان التخرج قام عزيز بإلقاء خطبة الوداع ( كما سماها ) لا أتذكرها كلها ولكن علق بذاكرتي قوله:
– ” …أيها الزملاء، ليتنا مكتنا هنا إلى الأبد، أو عملنا معا في نفس الوحدة المدرسية ولو كانت فوق قرن أنأى جبل. لكن وا أسفاه! سَيُلقى بنا كما يُلْقِي المنجنيق حجارته؛ بعيدا عن طنجة الساحرة، وليس لنا والله إلا الصبر.
إخواني المعلمين، ستُوَلُّون دنيا طنجة وراء ظهركم نائمة، ولَستَروُنَّ الجبال أمامكم قائمة، فاشتروا أحذية ملائمة… ”
لما ذهبت إلى طنجة لزيارته ( صلة للرحم ) أخبرتني أمه أن عزيز قد عين بمدرسة فوق قمة أعلى جبل بالريف، وأنه لم يستطع التكيف مع سكان تلك المنطقة، أو بالأحرى هم من لم يدمجوه في عوالمهم غير المنفتحة على الغرباء؛ همشوه، تجاهلوه، وبعيدا عن سكناهم أسكنوه في الكوخ المجاور للمقبرة المخصص لإيواء المعلمين الغرباء. قضى ليال طوال لا مؤنس له – بعد مغادرة قسمه بالمدشر – سوى فئران، قطط، هسيس أرواح الموتى، عواء كلاب وكذا عويل ذئاب؛ جوقة منسجمة تعزف على مسمعه سمفونيات تذكي رعبه كل ليلة.
في وقت متأخر من ليلة ماطرة، سكر عزيز حتى لم يتبق له ما يعزه، قصد المدشر واعتلى الصخرة الكبيرة المخصصة لاجتماعات شيوخ القبيلة ثم ( عوى ):
– أنا بشر …
” je suis vivant ” …
أنا معلم… يا قوم!… قوموا وفوني التبجيل…
قام له شباب أشداء، أوفوه التنكيل، أوزعوه ضربا، رفعوه مخضوه حتى ضخ ما في جوفه من خمرة وبعض بقايا حبات الزيتون.
لما صحا من سكره غادر عزيز مقر عمله نهائيا، وعاد للعيش بطنجة؛ فردت أمه لوزارة التعليم كل مبالغ التكوين التي كان قد تسلمها.
في صباح ليس كباقي الصباحات أخبر عزيز أمه – بعدما قبلها كثيرا – أنه سيفاجئها وأن عطالته ستنتهي ذاك اليوم.
على السكة الحديدية تناثرت أشلاء عزيز، لما اصطدم بقطار مسرع ” وجها لوجه “.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع