أخر تحديث : الثلاثاء 23 ديسمبر 2014 - 10:49 مساءً

” الوطنُ يستحقُّ أن نصمت من أجله “

مراد المساري | بتاريخ 23 ديسمبر, 2014 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_messari mourad

كلّ أصدقائي الذين درسوا معي كانوا يسألونني عن غياب أبي، يصحبون آبائهم إلى المدرسة مزهويين بهم، أمي كانت تُعوض غياب أبي، أبي مسافرٌ دائماً، وجهتهُ الصحراء الواسعة، أبي لم يرني يوماً أكبرُ أمام ناظريه، كان كلّما عاد من الجنوب يُصادف نموي بعض الإنشات، هذه حياة الجنود البعيدين عن الدّيار، عندما أنجبُ اطفالي وأذهب إلى الجنوب، لن أتركهم خلفي، سأخوضُ وإياهم غمار الصحراء، أن يصحب الأطفال آبائهم في كل الأماكن خيرٌ من أن يسألهم أترابهم ولا يجدون بما يجيبون.
ظل أبي يرحلُ إلى الصحراء ويعودُ منها، إلى أن ذهب يوماً ولم يعد إلا بعد عشرين عاماً، تركني طفلاً صغيراً وعاد ليجدني رجلاً يقصُّ شرائط السنوات تباعاً. كلما جلستُ بالقرب منه أتفحصُ ملامحه وجدتُ حكايات مؤجلة لم تُحكى بعد وقد لا تُحكى أبدا.
_ الوطنُ يستحقُّ أن نصمت من أجله.
كانت هذه دائماّ إجاباته عن أسئلتي الكثيرة. ماذا حصل هناك يا أبي، أعدك أن لا أخبر أحداً، أقولُ ردا على صمته المريب، لكنه لا يتحدث أمامي، فقط أمي من يسهب الحديث في حضرتها، ربما يرى في ذلك تعويضاً عن سنوات صبرها وانتظارها له. اختارت أن تبقى صامدة أمام كثرة الاحتمالات التي أرقت مضجعها، كانت كلما أوت إلى الليل تذرف دموع الحزن والحسرة، ” لاشيء يا بني، لا شيء، غير غبار دخل عيني”، غبار الحنين والشوق الى الرجل البعيد أبي.
كنتُ أتصنع النوم وأسمع أحاديثه عن جحيم تندوف، يقول أبي بغصة تخنق حنجرته:
دخلنا الصحراء بعد انسحاب اسبانيا منها، وفي سنة 1979 اعتقلتُ في منطقة بئر انزران برفقة مجموعة من الجنود الآخرين، تم اقتيادنا إلى تيندوف ليلاً وزجّ بنا في حفر عميقة في الأرض هنالك قضينا عشرين عاماً من حياتنا، عشرين عاماً في سبيل الوطن، تركنا خلفنا كلّ ملذات الحياة، تركنا أطفالنا الصغار وزوجاتنا، تركنا هواء المدينة واختير لنا “جحيم تندوف” سجنٌ تحرسهُ الرمال والأفاعي..

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع