أخر تحديث : الثلاثاء 23 ديسمبر 2014 - 10:52 مساءً

وديع

عادل البدوي | بتاريخ 23 ديسمبر, 2014 | قراءة

badaoui

وديع..اسم على غير مسمى، من أسرة قروية ميسورة، و اليسر في القرى يقاس بمقدار ما تحرثه الأسرة من أرض و ما تجنيه من زيتون و ما تملكه من رؤوس ماشية. كان الوحيد من بين إخوته الثمانية الذي نال الشهادة الإعدادية، و هي عند أسرته بمثابة جائزة نوبل أو أكثر، تم إعفاؤه من كل الأعمال الفلاحية، بل أسكن بيتا مستقلا تابعا للأسرة، حتى طعامه إختلف عن باقي إخوته، و هو يرسل إليه على صينية بغطاء ناصع البياض ، كان “السي وديع” كما أصبح يسمى مصدر فخر للأسرة:
عطاوه بوليسي و ما بغاش… عطاوه معلم و ما بغاش….
و استمر السي وديع يرفض المهن حتى نال شهادة الباكلوريا بميزة “مقبول جدا”، اكترى له أبوه منزلا بالمدينة التي سيتابع فيها “النابغة” دراسته، و أرسل معه ” الحسين” كأنيس و خادم و الأهم منهما كمراقب، فالأب سمع كثيرا عن مكر بنات المدينة اللواتي بالتأكيد سيحاولن الفوز “بالهمزة”. لكن وديع تخلص من مرافقه بسرعة بدعوى أنه يلهيه عن مهمته “السامية”، وجد “ضيف الجامعة الكبير” صعوبة في الاندماج في محيطه الجديد، في قرارة نفسه كان يتمنى الانضمام للحركات الطلابية التقدمية، ليس لأن حداثي – و العياذ بالله- بل فقط ليكون محاطا بهؤلاء “الكاسيات العاريات”، لكنه وجد نفسه منساقا للتيارات المحافظة، فالشوك لا ينبت إلا في الأراضي القاحلة، اتخذ صديقا تحول مع الوقت إلى تابع بعد أن “أنعم” عليه بشرف السكنى معه و مشاركته في ما تحضره حافلة الخميس من طيب المأكل و المشرب، و بالمقابل ينفخ الصديق في الذات المريضة لصاحبنا. و يقضي حاجياته .
كان وديع قد بدأ يستأنس بجو المدينة الجامعية حين باغثته الامتحانات من حيث لا يحتسب، دخلها أعزلا، و خرج منها راسبا مهزوما، عاد إلى قريته يشتكي الظلم و الحيف و الخيانة، فقد سرقت نقطه و تم منحها لابن أحد الأساتذة. قضى أسبوعا بالفراش متمارضا، ليغادر القرية بدعوى الاستعداد المبكر للسنة الدراسية الجديدة، ” الديب كتدوز عليه غير مرة وحدة”.
و هكذا قضى سنوات طويلة بين نجاح و تكرار ينسب دائما “للمؤامرة”، حتى جاء الفرج أخيرا، و أنهى دراسته الجامعية
خرج وديع من الكلية كما دخلها، باستثناء قطعة كرتون كتب عليها ” إجازة”، و بعض ما علق بالذاكرة من حفظ لأشياء لم يفهمها، و لأن الوظافة على ما يبدو قد توقفت عن طرق بابه، فقد وجد نفسه مضطرا للبحث عن وظيفة ” يتوج” بها مشواره الدراسي ” الباهر”، و لأن الدولة لا تقدر ” الكفاءات”، فقد كان لا بد من تدخل الأب الذي نزل بكل ما أوتي من زيت و زيتون و عسل و مبلغ مهم من المال حتى تحقق المراد، و أصبح لوديع رقم تأجير.
التحق بعمله البسيط بمدينة بعيدة،و ترك أهل قريته في جدال حول ” المنصب” الذي يمكن أن يكون قد ناله، البعض قال أنه “قايد” و زادها البعض إلى كاتب عام للعمالة، بينما يقسم أحد افراد أسرته أنه قد عين دكتورا و مهندسا في نفس الآن، في الوقت الذي يبوح الأب لأقرب المقربين في زهو و خجل مصطنع: لقد تم تعيينه في منصب “حساس” في جهة “مهمة” أو باختصار ” منو للوزير”. بينما كان بعض شبان القرية يتابعون هذا الجدال بمرح، هم يعرفون و يتغافلون، بل إنهم يريدون لقصة وظيفة وديع أن تستمر لعلها تسليهم في أيام القرية الرتيبة. و لأن السياسة تأتي بما لا يأتي به العلم و المال، فقد قرر وديع أن “ينعم” على قريته بالترشح فيها للإنتخابات الجماعية، لم يكلف نفسه حتى عناء القيام بحملة انتخابية و عرض برنامجه، تاريخه و كفاحه هما حملته و برنامجه، أو هكذا اعتقد، انتظر اكتساحا فكانت صدمة زلزلت كيانه، بالكاد تحصل على أصوات أفراد أسرته، غادر القرية مرة اخرى، لكنه غادر لكي لا يعود، واضعا نهاية لقصة شغلت سكان القريية سنوات طويلة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع