أخر تحديث : الأحد 28 ديسمبر 2014 - 4:08 مساءً

السياسي

عادل البدوي | بتاريخ 28 ديسمبر, 2014 | قراءة

adil_badawi

“الفم المسدود ما تدخلو دبانة” و ” سير غير حويطة حويطة” هكذا كانت كلمات أبيه ترن في أذنه، لهذا كان “الخليل” يتضايق من محاولات زميله في القسم البشير استمالته للحزب المعارض الذي كان ينتمي إلى شبيبته، بل و أصر اصرارا على النأي بنفسه عن نهر السبعينات الجارف بكل ما حمله من فكر و ثقافة و فنون و جمال، بالنسبة له “الهيبيون” قطيع من الحيوانات، و البوب مارلي” صعلوك “حشايشي”، حتى ناس الغيوان لم يسلموا من من سهام نقده. امتدت القطيعة للشكل أيضا، فقد كان يستهجن لباس أقرانه ساخرا من أقمصتهم الملونة و شعرهم الطويل و سراويلهم التي تكنس الأزقة. كان يمقت السياسيين -خاصة المعارضين منهم- مقتا عظيما،، هم بالنسبة إليه مجموعة من المخربين الزنادقة ” السكايرية”. في مهرجانات فاتح ماي كان يقف بعيدا، بعيدا جدا، يرمق خطباء المهرجان بحقد، يستعجب كيف لا تطلق الشرطة النار عليهم، أو على الأقل تعتقلهم و تخلص البلد من شرورهم، و ما إن تقترب المسيرة منه حتى يطلق ساقيه للريح هاربا، كان يخاف أن يرى بجانب المسيرة أو تلتقط له صورة و هو في محيطها، يؤمن أن ” المخزن” سيأتي بأسماء الجميع، من تظاهر و من ساند و حتى من تفرج، و سيعاقب كلا حسب جريرته، أحيانا كان تجتاحه موجة شجاعة فيدخل غرفته و يلتقط إذاعة لندن، أو أخرى تذيع برنامجا اسمه ” مغرب الشعوب” يهاجم النظام المغربي، يخفض الصوت حتى أنه يلصق أذنه بالمذياع و لا يكاد يستمع، ” يتوب” بسرعة عن فعلته و يدعو الله أن يخرج” الطرح” سالما. شارك في كل الإنتخابات و الإستفتاءات، بل كان يتعمد أن يشهد الآخرين على قيامه بالواجب الوطني، كان يجل ” المقدم” إجلالا عظيما، و كثيرا ما تعمد تغيير طريقه تجنبا لوطأة اللقاء المهيب.
غير أن الحدث الذي هز كيانه و غير مجرى حياته كان وصول الحزب المعارض لرئاسة المجلس البلدي لمدينته، هل من المعقول أن تجازي الدولة أولادها العاقين بأدوار البطولة، و يترك هو والصالحون من أمثاله يلعبون أدوار الكوبراص؟، دخل مرحلة إحباط خرج منها بقرار تاريخي، سيقتحم الحياة السياسية، لم يحدد الحزب الذي سيشرفه بالإلتحاق به، كل الخيارات مفتوحة باستثناء “حزب السكايرية”، قام بجولة على المقرات فوجد العنكبوت يعشش بأبوابها و أقفالها صدئة، عرف أن الحركة لا تدب فيها إلا في ” موسم ” الإنتخابات، قرر الدخول في ” معسكر اعدادي” استعدادا لعودة الروح للمقرات، كان استعدادا على شاكلة: كيف تتعلم الفرنسية في عشرة أيام و دون مدرس. يقرأ الجرائد اليومية، يجالس بعض ” خبراء” الحياة السياسية، يشاهد كل النشرات الإخبارية للتلفزة المغربية التي بدأت ” تتحرك”، بدأ يستمع لراديو لندن نهارا جهارا. كان طبيعيا أن يختار حزب يليق بتاريخه ” المشرف”، كان من تلك التي أنتجتها مفرخة وزارة الداخلية في فترة وجيزة، حضر مؤتمرا وطنيا أغلب الحاضرين فيه من نوعية مناضلي ” الدفع المسبق”، حفظ عن ظهر قلب القانون الداخلي لحزبه، و كان من بين العشرات على الصعيد الوطني الذين يشترون جريدة الحزب، أصبح مراسلا للجريدة يرسل لها أخبارا يحررها صديق له، و أصبح يقدم نفسه على أنه صحافي، تقدم للإنتخابات و قد أحصى ثلاث مائة صوت “مضمونين” في دائرته، لكنهم تبخروا يوم الإقتراع ليصبحوا عشرين فقط، لكن الهزيمة لم تنل منه، أكمل مشواره النضالي و توهجه الإعلامي، انخرط في عدد من الجمعيات، جلس في المقاعد الأولى للندوات و المحاضرات، سار في مقدمة الجنائز، حضر كل مقابلات الفريق المحلي رغم كرهه لكرة القدم. في الإنتخابات الموالية تم وضعه في المرتبة الخامسة في اللائحة، لكن الأصوات التي تحصل عليها حزبه كانت كافية بالكاد لإنجاح متزعم اللائحة، قرر التغيير، بحث عن حزب غير ممثل بمدينته، عقد مؤتمرا تأسيسيا و زكى نفسه رئيسا للفرع، صار خبيرا في العملية الانتخابية، و عقد التحالفات و فظها، وصل أخيرا للمجلس الجماعي، و لأنه كان لا زال على كرهه لكلمة “معارضة” فإنه تحالف مع الأغلبية دون اعتبار لإنتمائها السياسي.
كبر طموح الخليل و قد أصبح يجالس كبار المسؤولين الذين لم يكن يجرؤ حتى على النظر إليهم، قد عرف أخيرا من أين تؤكل الكتف، بعد استحقاق أو استحقاقين سيكون هناك، تحت قبة البرلمان، متوجا تاريخا طويلا من “النضال” و التضحيات.

أوسمة : , , , , , ,

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع