أخر تحديث : الخميس 1 يناير 2015 - 11:19 صباحًا

الحسناء والكلب

ذ. محمد الجباري | بتاريخ 1 يناير, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_jebari

صبيحة سفري بالطائرة إلى المغرب تجتاحني مشاعر متناقضة ، أشعر بفرح طفولي لذيذ ، فأتحول فجأة لطفل كبير ، ألاعب أبنائي بنشاط وكأني في عمرهم الصغير ، أقفز بحيوية وأنا أنزل من الدرج ، أقف أمام المرآة فأسرِّح شعري إلى الوراء كما كنت أفعل أيام صباي وشبابي ، حتى ابتسامتي تكبر فتصير أقرب إلى ابتسامة طفولية يمتزج فيها الكثير من الطيبوبة والدهشة ! لكن يجتاحني أيضا شعور آخر ! أصاب بالخوف ، تمتلكني رهبة غريبة كلما تذكرت أني سوف أركب الطائرة ! فيصعد بقوة معدل هرمون الخوف في دمي ! آه يا الهي ! كيف أتخلص من هذا الشعور الذي يثقل صدري كصخرة تجتم على أنفاسي ! ربما مع مرور الأيام سوف أعتاد ركوبها ! هكذا ظننت وأنا أصعد للمرة الأولى الطائرة في العام الأول لهجرتي لهولندا ، ها قد مرت الآن قرابة العشرين سنة لكني مازلت كما كنت من قبل أشعر بنفس الخوف والرهبة !
الإحساس بالفرح والخوف لم يكن غريبا علي ، فلقد رافقني هذا الإحساس في الكثير من فترات حياتي ، فبقدر ما كنت أخاف امتحانات آخر السنة بقدر ما كنت أفرح لأن بعدها قدوم العطلة الصيفية ! وبقدر ما كان يمتلكني الرعب وأنا أتسلق الجدران الخلفية لمدرستي هاربا إلى قاعة السينما بقدر ما كانت تجتاحني فرحة الفرجة لبطلي المفضل ” شاشي كابور ” ! هذا الإحساس ، هو نفسه الآن ، يمتلكني في هذا الصباح بين دفتيه أعيش حلاوته ومرورته ، فرحه وبؤسه !
دخلت ساحة المطار ، مطار “اندهوڤن ” شعرت أن ذلك الإحساس بدأ يتحول بدرجة كبيرة إلى جهة الخوف والتوتر ، فأحاول في صمت أن أقنع نفسي ، أن أخاطبها وأرفع من معنوياتها فأذكرها بأن الطيران هو أقل وسيلة نقل تعرضا للحوادث وأكثرها أمنا ، وقفت في الصف حاملا حقيبتي الصغيرة أنتظر دوري لتسليم أمتعتي ، فجأة رأيت فتاة كانت تقف أمامي ، لا يفصلني عنها سوى حقيبتها الصغيرة الأنيقة الموضوعة على الأرض الفتاة ربما في ربيعها الثاني ، طويلة القامة ، ذات شعر أشقر كثيف صففته على شكل ضفيرة واحدة مائلة إلى الأمام جهة خدها الأيسر ، حاجباها الكثيفتان تطلان على عينين زرقاوين وبشرة صافية تميل إلى الحمرة وجدتني لا أستطيع أن أبعد نظري عنها ، فالنظرة الأولى لا نُحاسب عليها ! تمنيت أن تبقى عيناي مشرعتين لاتغادران النظرة الأولى أبدا ! انتبهت أنها لا تضع أصباغا على وجهها أو على أظافرها ، كان جمالها من النوع الهادئ الصافي الذي يمنح النفس والعين كل الهدوء والطمأنينة جمالها مثل شلالات جنوب إفريقيا ، مازالت على طبيعتها من يوم أن خلقها الله ، وأنت تقف أمامها تشعر بالرهبة والدهشة ولا تملك إلا أن تقول بخشوع : سبحان الله ! الجمال الذي يقربك إلى الله لا يمكن أن يكون حراما أبدا !
رأيتها تفتح حقيبتها اليدوية وتسحب كتابا لشكسبير رواية ” العبرة في النهاية ” ، رفعت رأسها فالتقت عيناها الزرقاوان ببريق عيني … آه يا الهي إنها تبتسم لي ! ابتسامتها تشبه كثيرا ابتسامة طفلة بريئة ، جميلة ، تحملها بين ذراعيك ثم تقذف بها إلى الهواء فتتلقفها من جديد وهي تملأ الدنيا قهقهة وضحكا
وجدتني أنسى ذاك الشعور المرعب الذي كان ينتابني قبل قليل ، فقلت وكأني أطمئن نفسي :
– إنه بالفعل فأل حسن أن يستقبلني هذا الصباح بوجه طفولي موغل في الحسن والجمال
فجأة شعرت وكأن شيئا يتحرك بالقرب من قدمي ، كان كلبا أسود رفقة شرطي ، الكلب وكأنه يشم أمتعتي من جهة اليمين واليسار من فوق وتحت ثم انتقل مسرعا إلى حقيبة الفتاة الحسناء ليعيد نفس عملية الشم مرة أخرى ،الكلب بدا متوترا ، يشم الحقيبة ويعيد الشم مرة ثانية وثالثة ثم جلس بالقرب من الحقيبة لا يغادرها ، الشرطي وضع قطعة حلوى في فم الكلب ثم سمعته يهمس له :
– أحسنت أيها الكلب الشجاع ، على ما يبدو لقد عثرت على المخدرات ! بعد ذلك أخذ الشرطي الفتاة إلى مكان مجهول…
كان من الصعب علي أن أتخيل كيف لامرأة أن تلبس الطهر والصفاء وفي داخلها كل هذا المكر والخداع ! كيف لامرأة تشعرك بجمال الحياة وهي تحمل في حقيبتها كل أسباب الموت والدمار !
عندما انتهيت من اجراءات تسليم الأمتعة ، توجهت صوب مكتب شرطة الحدود للتأشير على جواز سفري ، وأنا في الطريق شاهدت نفس الفتاة واقفة في صف آخر لطائرة متوجهة لاسبانيا ، تحمل نفس الحقيبة وتقرأ نفس الكتاب وكلب أبيض هذه المرة يشم الحقائب ! وقفتُ والدهشة بادية علي وعلى تعابير وجهي ، فسمعت موظفا بالمطار يكلم صديقه
– اليوم تٓخٓرُّجْ دفعة جديدة من الكلاب البولسية وعليها أن تجتاز امتحانا تطبيقيا ، امتحان الشم !

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع