أخر تحديث : الخميس 1 يناير 2015 - 6:18 مساءً

ليلة رأس السنة

عادل البدوي | بتاريخ 1 يناير, 2015 | قراءة

badaoui

بابتسامة عريضة أطل مدير الوحدة الفندقية بمدينة مراكش عبر شاشة التلفاز متكلما عن استعدادات فندقه لاستقبال السنة الجديدة، كما لم يفته الترحيب بالزوار المغاربة و الأجانب بالمدينة الحمراء، واعدا الجميع بقضاء ليلة لا تنسى، كان المهدي يشاهد ذلك و قد أحس أن الدعوة قد وجهت إليه مباشرة، تعجب كيف قضى ثلاثين سنة من عمره لم يزر خلالها مدينة زارها نصف سكان العالم، حسم أمره و قرر قضاء ليلة رأس السنة في مراكش، و ” اللي ليها…ليها”.
وضع ميزانية للسفر قدرها بثلاثة آلاف درهم، خصص ثلثها لشراء ملابس تليق بالحدث العظيم، و ما بقي سيجعله يعيش “ملكا” في الثلاثة أيام التي سيقضيها هناك، استقل قطار التاسعة صباحا و هو في كامل أناقته، غير أن ملابس المسافرين الصاعدين و النازلين في محور القنيطرة البيضاء جعلته يبدو كبهلوان بحذائه الرياضي الأبيض، و سرواله “الجينز” و معطفه الأحمر، حلم بلقاء فتاة باهرة الجمال يجلس قربها في القطار، نظرة فابتسامة فرقم هاتف فغرام، غير أن “سندريلا ” قد أخلفت موعدها اليوم، بحث عنها فلم يجدها بين المسافرات المتعبات اللامباليات، فتاة واحدة ابتسمت و هي تراه يفتك ببعض البرتقالات التي جلبها معه.
وصل القطار إلى مراكش قبيل الغروب، نزل منه سيل بشري هادر، انبهر بروعة المحطة مقارنة بتلك البئيسة التي غادرها في الصباح، وجد صعوبة كبيرة في إيجاد سيارة أجرة، أحس أنه غير مرئي عندما كانت سيارات الأجرة الشاغرة تتجاوزه لتقف لبعض السياح الأجانب، أخيرا تمكن من الظفر بواحدة، طلب من السائق الذهاب به إلى فندق “مزيان”، غير أن المراكشي ” الخبير” رمى به في ساحة جامع الفنا حيث توجد فنادق ” المساكين”،ابتلع الإهانة صامتا، و قام بجولة ليجد كل الفنادق الصغرى تضع لافتة تعلن فيها باللغة الفرنسية أن لا مكان شاغر فيها، نصحه أحدهم بالذهاب إلى “جيليز” و البحث عن شقة، غير أنه تراجع عندما سمع أن ثمن الليلة يتجاوز الألف درهم في هذه الفترة من السنة، عاد ليجرب حظه في محيط الساحة العالمية، أخيرا ظفر بغرفة بئيسة بفندق متهالك، كان متعبا لدرجة أنه لم يناقش الثلاث مائة درهم التي طلبها المسؤول، وضع أغراضه و نزل يستمتع بسحر الساحة، اتصل بأصدقائه متعمدا جعلهم يستمعون لصخب الساحة عبر الهاتف، أخفى عنهم ما لقيه حتى يزيد من جرعة إغاظتهم، و أخيرا بدأ يستأنس و يستمتع بالأجواء، أحس انه مواطن “كوني” لتواجده بين هذا العدد الهائل من الأجانب، بدأت الروائح المنبعثة من مطاعم الساحة توقظ جوعه، تناول أشياء عديدة سببت له مغصا في بطنه، و نزيفا في “جيبه”.
في اليوم الموالي استيقظ باكر، لم يكن معه دليل و لم يكن يعرف و لا حتى مهتما بمعالم المدينة التاريخية، لهذا قضى نصف يومه في محيط الساحة، تناول وجبة خفيفة، شرب عددا من كؤوس عصير البرتقال، و اشترى بعض الهدايا لعائلته و أصدقائه، و عاد إلى الفندق ليرتاح استعدادا لليلة الكبيرة. في الليل خرج متأنقا، بعد الاستفسار قصد الحي الشتوي، الحانات و المراقص في أبهى حلتها، لكن مظهر الزبناء و هم ينزلون من سياراتهم الفارهة جعلته لا يجرؤ حتى على الاقتراب، قصد منطقة “جيليز” لعله يظفر بفرصة ما في محلاتها. لكنه انسحب بهدوء بعد معرفة ثمن الدخول و السهرة -هذا إن قبلوا إدخاله أصلا-، بعد ذلك قرر أن يجرب حظه في باحات محطات إفريقيا، لكنها كانت مكتظة برواد ” السهر الحلال”. لم يجد مفرا من العودة إلى الساحة و قد أتعبه التنقل و أحبطه الفشل، تناول “شوارمة” بثمن مضاعف ثلاث مرات عما يوجد في مدينته. حلت السنة الجديدة على المهدي و هو جالس وحيدا على كرسي في ركن مظلم من حديقة عامة، ليل مراكش أبرد مما تخيل، فكر بأصدقائه، هم الآن بالتأكيد يقضون أوقاتا ممتعة جميلة ، مع ” طارطات” الخمسين درهما، و دريهمات ” الزريعة و الكاوكاو”، و قنينة المشروب الغازي، و سهرات القنوات المغربية. ركب قطار السابعة صباحا عائدا إلى بلدته، لم يبحث هذه المرة عن “سندريلا”، بل كان مشغولا بتأليف “سيناريو” رحلة يسكن فيها أفخم الفنادق، و يسهر فيها في أرقى المحلات، حتى يوهم الأصدقاء أنها ليلة لا تنسى … هي فعلا لا تنسى.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع