أخر تحديث : الثلاثاء 27 يناير 2015 - 8:12 مساءً

السباق

عادل البدوي | بتاريخ 27 يناير, 2015 | قراءة

badaoui

على غير عادته في السنوات الماضية، تعمد مراد ألا يكون حاضرا عند وصول سيارة عمه المهاجر في ألمانيا إلى بيته في المغرب، يعرف أن وجوده يضيع وسط عاصفة العناق الحار، و أنهار الدموع المنهمرة، و المناوشات الأولى لحربي “المواقع” و “الحقائب”، لهذا قرر أن يتريث قليلا حتى يتسنى له تقديم نفسه كما يجب.
بوقار و هدوء تقدم للسلام على عمه و زوجته و ولده حمزة الذي يقاربه سنا، تعمد أن يكون سلاما “قياسيا” بلا زيادة أو نقصان، هو لم يعد صغيرا، فقد أتم الخمسة عشر سنة، كما أن التغيرات التي عرفها جسده جعلته يودع عالم الطفولة، و يفتح ذراعيه لعالم الكبار المدهش. قرر القطع مع ممارسات الماضي عندما كان يتبع ابن عمه كظله، حيث يتولى قضاء حوائجه و مرافقته في خرجاته و إضحاكه عبر نطق بعض الكلمات بألمانية عجيبة. هو الآن إنسان مختلف، و يجب على الجميع إدراك ذلك، كما أن لديه حسابا شخصيا مع ابن عمه حمزة و يجب تصفيته، انتظر قليلا ليبدأ هجومه الكاسح: المهاجرون في معظمهم يتولون الأعمال ” القذرة” التي يحجم أهل البلد الأصليين عن االقيام بها، و المهاجرون “المساكين” يصومون رمضان بدون روحانيات الشهر – و دون معاركه-، و المهاجرون لا يرون ذبيحة عيد الأضحى، و لا يشترون لها التبن، و لا تنفخون في أمعائها لتنظيفها، و لا ” يشوطون” رؤوسها، و المهاجرون سيدخلون النار كلهم لأن الإسلام نهى عن العيش في بلاد الكفر، هكذا كان يردد على مسامع ابن عمه، غير أن هجومه فشل بسبب عدم اكتراث حمزة الذي كان مشغولا أكثر بفتيات العائلة و هن يحمن حوله و ينسجن خيوط الحب حول “الهمزة” الألمانية. بينما يحجمن تماما عن ” البضاعة الوطنية” المتمثلة في مراد الذي كان يسميهن بـ”الفاسقات”. مما زاد في منسوب الغل و الحقد في نفسه، لهذا قرر الرد بطريقة عملية، كان مؤمنا بالتفوق العرقي و الديني و الجسماني و خصوصا الجنسي للمغاربة عن من سواهم في العالمين، و المقارنة بين عربي و أوروبي -في نظره- هي كالمقارنة بين “فروج” بلدي، و آخر “رومي”، بينما يضع المهاجرين -خاصة المولودين هناك- في خانة النوع الهجين ” كروازي”. لأجل كل هذا قرر تحدي ابن عمه، و اقترح عليه سباقا في الغابة المجاورة يكون أبناء العائلة و بعض الأصدقاء و خاصة ” الفاسقات” الصغيرات شهودا عليه، حاول ابن عمه التهرب بل و أقر له بالقوة و الغلبة، غير أن مراد لم يرض بغير “الإذلال” سبيلا، فجر خصمه جرا إلى السباق، و كان له ذلك، ضحك طويلا و هو يرى ابن عمه يقوم بحركات تسخينية و يلبس بذلة و حذاء رياضيين أنيقين، بينما قرر هو الجري دون تسخين و بملابسه العادية لأن الأمر لا يستحق ارتداء ملابس الجري – التي لا يتوفر عليها أصلا-. انطلق السباق الذي تعمد أن يجعله مسافته طويلة، قرر الحسم بسرعة و انطلق كالصاروخ مخلفا خصمه “الضعيف” وراءه، و ما هي إلا دقائق حتى أحس بالإرهاق، و تحول ريقه إلى طعم مر، و أحس بألم لا يطاق بخاصرته، أبطأ سرعته قليلا و التفت وراءه ليجد خصمه قد أصبح على مقربة منه، زاد سرعته لكن ابن عمه لحق به و تجاوزه، حاول اللحاق به إلا أن قواه خارت، و ليت الأمر قد توقف عند ذلك، فقد أغمي عليه، و عندما فتح عينيه كان الجميع متحلقا حوله و قد اختلط عرقه بالتراب و القيء. ساعده حمزة على الوقوف ، بينما أطلقت إحدى “الفاسقات” رصاصة الرحمة عليه بقولها : مسكييين. كان لا بد أن تمر سنوات طويلة قبل أن يعود مراد لزيارة بيت عمه، و تحاشى بكل الوسائل اللقاء بشهود الفضيحة، غير أن الزمن تكفل بشفاء كل الجروح الغائرة باستثناء جرح واحد. كلمة “مسكين”.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع