أخر تحديث : الأحد 8 فبراير 2015 - 3:01 مساءً

الطحان

عادل البدوي | بتاريخ 8 فبراير, 2015 | قراءة

badaoui

للمرة الثانية يرفض “سلام” صاحب المطحنة أخذ أجرة الطحن منه، استعجب “لحسن” من هذا الانقلاب في تصرفات الطحان الغريب عن الدوار، فكثيرا ما رآه يسب الزبائن و يدخل في عراك معهم بسبب نصف درهم، و ما زاد في استغرابه هو المبالغة في التبسم و الاهتمام لدرجة أنه لا يتركه يذهب لحال سبيله إلا بعد شرب كأس “أتاي”، فرح بهذه المحبة “الخالصة” الخالية من كل طمع، خاصة أنه ليس من وجهاء القرية أو من أغنيائها، و لا ولد له و لا بنت حتى يطمع الطحان في ماله أو في مصاهرته.

في جلسة سمر اشتكى “سلام” من الغربة و البعد عن أسرته، كما اشتكى من برد الطاحونة و وحشتها في الليل، و هنا وجد “لحسن” الفرصة مواتية لرد بعض جميل صديقه الجديد، و دعاه لاستضافته في بيته، لم تصدق “السعدية” أذنها و زوجها يخبرها بما أقدم عليه، فمنزلهما عبارة عن غرفة وحيدة ترابية مع فناء مشرع على الهواء الطلق، غير أن زوجها طمأنها أن الاستضافة لن تدوم إلا أياما، فقبلت بالأمر مرغمة. حل الطحان ببيت صديقه و حلت معه الخيرات و الطيبات، دس في جيب “لحسن” خمس مائة درهم كمساهمة منه في “قفة” السوق الأسبوعي، و هو الذي لا ينفق عادة أكثر من خمسين درهما. و تعود الطحان أن يعود كل مرة يزور فيها أسرته محملا بالهدايا للزوجين المحظوظين، و تحولت ليالي المنزل الكئيبة إلى سهرات أنس و انشراح، فتخلت الزوجة عن تحفظها و اعتبرت الزائر فردا و ركنا أصيلا في العائلة. غير أن المشكل الذي ضايق هذا “الجمع السعيد” كان هو الاكتظاظ في الغرفة الوحيدة، لاحظ الضيف ذلك و قرر المغادرة، فنزل الخبر كالصاعقة على الزوجين، ليأتي “لحسن” بحل “سحري” يقضي بتطوعه هو بالمغادرة و النوم في الفناء، و ترك الزوجة و الضيف في الغرفة، و تحجج بكونه يحب ” التهوية” أثناء نومه، و بكونه يثق تماما في زوجته و ضيفه، خاصة أن باب الغرفة سيبقى مفتوحا، لم تمانع الزوجة و لا الضيف، و هكذا عادت الطمأنينة ترفرف فوق البيت السعيد مرة، بعد أيام اشتكى الضيف من البرد المتسرب من الباب المفتوح، ليجد ” لحسن” نفسه مرميا في الخارج قرب باب مقفول على زوجته مع رجل غريب، لاحظ أن السمر يطول بنزيلي الغرفة بعد خروجه منها بساعات. و ما زاد الأمر سوءا أن أهل القرية بدؤوا يشكون في أمر هذا الضيف الدائم. باح بالأمر لزوجته، لكنها صدته و ذكرته بالأيام العصيبة التي سبقت مقدم الطحان و خيراته لبيتهم، و ختمت كلامها قائلة: ما تكونش ملعوق! و فوق هاد الشي كامل، أنت اللي جبتيه للدار! زاد حنق الزوج و هو يرى الضيف يرمي به خارج الغرفة بعد مغيب الشمس بقليل بدعوى تعبه و رغبته في النوم، بينما تستمر الحركة و الوشوشة في الداخل إلى ما بعد منتصف الليل. ليقرر مباغتتهما و ضبطهما بـ” الجرم المشهود” .

اقتحم الغرفة قبيل الفجر بقليل، ليجد زوجته نائمة قرب الضيف على سريره، ثار في وجههما قائلا: آش كاديرو آولاد الحرام؟ بهدوء رفع الطحان الغطاء و قال : والو!! شوف ها حنا لابسين السراول ! ثم شرح له أن البرد شديد، مما اضطره لتقاسم الغطاء مع زوجته، و همّ بجمع أغراضه و المغادرة، لكن “لحسن” اعتذر له عن حماقته، و خرج من الغرفة و هو تحاشى نظرات الاحتقار من زوجته، و لم ينس إغلاق الباب بإحكام.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع