أخر تحديث : الأربعاء 18 فبراير 2015 - 9:02 مساءً

ضربةُ عين حرة

عبد الواحد الزفري | بتاريخ 18 فبراير, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_zefri_abdoo

لننتفق بداية على إمكانية وجود عين حاسدة وإلا فلا تقرئني… أشكرك على حسن التقة.
توجد عين قد تصيب المرء في أعز ما قد يملك، تبعا لما لقيمة الأشياء لديه؛ فمن يبتغي الصحة ويفضلها على المال والجاه، ليس كمن يتوق لأن يكون له مال ولو قليل؛ أجدى من أن يحصل على صحة عشرات الخيول الجامحة، وليس بقدرته توفير علف مهر صغير.
أنا نفسي كنت مثلك أرى أن العلم أثبت أن العين عضو كسائر أعضاء الجسم تقوم بدورها في تناغم مع باقي الأعضاء، في حركية بنيوية كي تعطي للإنسان قيمة وحركية لكينونته، وأنه لا وجود في عيون البشر شعاع ك ” الليزر” يصيب الشخص المحسودَ. والأنكى من هذا وذاك أن المكروه الذي قد تحدثه العين الحاسدة حسب تصور المؤمنين بالنحس، يأتي بطيء التنفيد، وبعيدا عن العين القاذفة بالسوء، كأنه ذاك ” السكود ” الراصد لمحركات الطائرات الذي يتبعها في السماء إلى أن يفجرها.
هو بالضبط ما حدث لي. وما حدث لي جعلني أرجح كافة الخرافة على العقل، وأومن بأن العلم لم يسبر كل الأغوار البشرية.
أنا لم أكن أصدق أن تلك المرأة، المسنة، المقبلة – باعتبار سنها – على الدفن لبوحها الأخير، ساحرة لها هذه القدرة الخارقة على نحسي كما فعلت. ألا يقول العلم بأن تكرار نفس التجربة والحصول على نفس النتيجة، تمكننا من إصدار أحكام قارة؟
وها قد تكرر وقوع نلعنتها عليَّ كلما التقيت بها؛ وإن لم أكلمها أو تكلمني؛ فهل لي أن أصدر حكما؟
إن قلت لها مثلا:
– صباح الخير.
ردت:
– وأنى لكَ به؟
يُظلم صباحي وأتعارك مع الكلِّ على أتفه الأسباب ؛ بمن فيهم نادل المقهى ولو على طعم شاي، ، فأعود بخفي إحباط إلى منزلي، ممزق الملابس منفوخ الشفتين، ومن على رأسي يسيل دم غزير، وكأني قد عدت حيا من معركة داحس أو غبراء.
وإن قلت لها:
– طابت ليلتك.
بخَّت في وجهي سم
ردها:
– طابت ليلتي، واحترقت ليلتك.
فأخاصم زوجتي، وأهوي على رأسها بقاع نعلي فتصيح مستغيثة :
– وا عماه !
فيسمعها عمها، ويهجم على داري، فيعلم بالأمر خالي، وهو جار عم زوجتي،فيهب لنصرتي في تلك الأحوال، فينخرط ويتعاطف معها ومعي كل الأهل والخلان؛ لتتوسع دائرة الحرب إلى أن تطال كل بيوت حينا وبيوت الحي المجاور لحينا.
وإن تفاديت العجوز الشمطاء ولم أنظر ناحيتها، التفتت نحوي وضخت نار كلامها:
– لا.. ولا أعطاك الله بصرا ترى به كل ما قد يقع أمام عينيك.
فأذهب إلى عملي بعد توهان عن مقره، ولما أصل وكأني حمار قيل له “… أنت معلم فالتحق بقسمك” ولا أفقه الإجابة على أبسط سؤال قد يطرحه تلميذ بقسمي الأول، وتفاديا للإحراج أطلب من أفطن تلاميذتي أن يتهجى على مسمعي الحروف الأبجدية، لأَعقلها بعد تكرار؛ ولكي لا أحرج إن سألني في شأنها الزملاء.
ذات ليلة بعدما جاملتها أني سعيد برؤيتها، قالت لي:
– ويحني، كم تأَخَّرتُ في أن أصيبك بسوء !
في الغد ماتت العجوز الشمطاء، فتغيرت أحوالي وطابت – بعد رحيلها – أيامي.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع