أخر تحديث : الأحد 22 مارس 2015 - 5:26 مساءً

لَعنةُ طائر اللقـلاق

جلال الحمدوني | بتاريخ 22 مارس, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_jalal_hamduni

في قرية نائية من قرى منطقة “جبالة” بالشمال، كان يعيش “مزوار” ذو الثلاثين ربيعا حياة مليئة بالصخب والمرح، قهقهاته كانت تسمع من مسافة جد بعيدة.

لم يسلم من قفشاته أحد من سكان القرية، وأحاديثه مفخخة يوقع في شباكها محدثيه، ولا يعير أدنى تقدير لأحد، فالكل عنده يقع تحت طائلة لسانه السليط، فَجِدُّهُ هَزْلٌ حتى صار دَيْدَنُه في كل وقت وحين. يقضي جل يومه في سرد النكات والأحجيات ويجعل من أحدهم أضحوكة مجلسه. ورغم ذلك لم تكن جلسة أو وليمة في القرية تنعقد بدونه.

ومع تقدمه في السن زادت موهبته وبراعته في التنكيت، ولم يعد يسلم من مقالبه لا إنس ولا طير. كانت القرية تشهد كل موسم ربيع موعدا لهجرة وتزاوج طيور اللقالق، إذ كانت أسراب من هذا الطائر الأبيض الجميل، ذو العينين الواسعتين والجناحين العريضين، تتخذ من الأشجار العالية بالقرية مساكن لها وأعشاشا لصغارها.

نساء القرية كن ينتظرن فصل الربيع بفارغ الصبر ويتطلعن لمقدم الطلائع الأولى من هذا الطائر الذي يرمز عندهن لموسم الخصوبة والتزاوج. كن يستبشرن بمقدمه، فذكر اللقلاق الأبيض أو “بلارج الحكيم” كما يسمونه، أنموذج حي للحب والوفاء، يحب أنثاه ويهاجر من أجلها مسافات طويلة متنقلا من برودة القارة العجوز إلى أحضان شمال القارة السمراء حيث الدفء والخصوبة، فيحتضن أنثاه مع بيضهما، ويدرب صغاره على الطيران ليقفل راجعا في رحلة العودة إلى موطنه الأصلي.

ويتداول أهل القرية حكايات عن أنثى طائر اللقلاق التي أصيبت في إحدى جناحيها و لم تعد تقوى على الطيران، وَدَّعَت صغارها وزوجها ومكثت في عشها تنتظر..، تنتظر موسم هجرة جديد.

وبعد عام على الفراق، رجع الزوج ليفي بميثاق زواجه وحبه. هي واحدة من حكايات نساء القرية التي يضربن بها الأمثال لأزواجهن موعظة وذكرى.

وذات صباح هادئ، وقد شرعت أشعة شمس الربيع الدافئة ترخي بخيوطها على القرية، حلق طائر اللقلاق مع أنثاه عاليا مستمتعين بيومهما الجميل، وابتعدا لمسافة بعيدة عن عشهما الذي يضم بيضا لصغارهما على وشك أن يفقس، في مهمة لجمع مزيد من الأعواد الرفيعة لتثبيت عش صغارهما.

في هذه الأثناء تسلل”مزوار” متسلقا بمشقة أعلى الشجر متلصصا على عش طائر اللقلاق وفي جيبه بيضة لطائر الغراب الأسود دسها وأخفاها بإحكام في عش الطائر الأبيض، كانت غايته الماكرة أن يصنع فرجة ومفاجأة لم يسبقه إليها أحد، ومُحَدِّثاً أهل القرية عن مقلبه الخبيث هذا بفخر ودهاء.

بعد أيام فقست الأفراخ بيضها، وانتظر زوج اللقلاق هذا اليوم الموعود بفارغ الصبر، لكن فرحتهما لم يكتب لها أن تكتمل على خير، وسرعان ما تحولت إلى دهشة واستهجان، فقد كان بين صغارهما فرخ غريب أسود اللون لا يشبه أفراخهما. ظلت أنثى اللقلاق مطأطأة الرأس لا حول ولا قوة لها فيما يجري أمام ناظريها، أطلق الذكر لقلقة حزينة مدوية أثارت انتباه كل من في القرية وحلق بعيدا عن عش زوجته.

وعشية ذلك اليوم، تجمعت طيور اللقالق من كل حدب وصوب وحلت فوق أشجار القرية، تتناوب تباعا على تفحص العش وكائنه الغريب، وحلقت في سرب مخيف وكأنها تنذر بلعنة وشيكة ستحل على القرية.

هاجمت اللقالق الأنثى الحزينة لتنفيذ قصاص عاجل متخذة مناقيرها سلاحا فتاكا، ولم يبارحوها حتى قضت الأنثى المظلومة نَحْبَها. وقف أهل القرية مشدوهين يتابعون المشهد الحزين، فيما “مزوار” لم يكف عن قهقهاته المعهودة.

خيم السكون للحظات على القرية بعد أن غادرت أسراب اللقالق سماء القرية وتركت الطائر الحزين وحيدا رفقة أنثاه، وقد كست الدماء ريشها الأبيض، فيما صغاره أنهكهم الجوع وهول ما حدث.

استفاقت القرية بعد يوم طويل على وقع صراخ وعويل مصدره “مزوار”، لقد فقد نعمة البصر والقدرة على المسير، ظل يصيح ويصيح.. ولا أحد من سكان القرية التفت إليه. فبعد الذي جرى بالأمس، أصبح نذير شؤم ولعنة على القرية.

وقد بدأت أولى علاماتها تظهر بعد أن جفت الآبار، وأضحت الأرض جرداء، حتى الأشجار والنباتات التي كانت في القرية أصابتها لعنة طائر اللقلاق.

رحل الأهالي عن القرية تباعا بعد أن هجرها طائرها الأبيض الجميل، ولم يتبق فيها سوى “مزوار” يتعثر بين شعابها ، ومساكنها المهجورة، ضاحكا تارة وباكيا تارة أخرى.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع