أخر تحديث : الإثنين 6 أبريل 2015 - 9:41 مساءً

السيارة

نجيب كعواشي | بتاريخ 6 أبريل, 2015 | قراءة

najib

قبض مكافأة الترقية وكانت سخية. قبل المكافأة كان يقول إن اقتناء سيارة، في هذا الزمن، كالجمع بين ضرتين..
ستنضاف السيارة الآن إلى الأولويات: الذهاب إلى العمل، وتنقيل الأولاد من وإلى مدارسهم، ومشاوير أخرى.. عما قريب سيودع وسائل النقل التي أذاقته المرارة والإهانات اليومية سنين طويلة حتى يصل إلى القرية التي يدرس بها. سيصبح سيد وقته، ويتحكم بمواعيده.
استلم أخيرا رخصة السياقة بعدما رسب في الامتحان الأول. قال له أصدقاءه إنه لم يعرف كيف يدفئ جيوب مدربي السياقة بالإكراميات وعلب السجائر الشقراء. حتى الأميون يحصلون عليها من أول امتحان..! يظهرون الوريقات السحرية..
كيف يرسب هو المتعلم الفاهم وينجح هم الأميون؟
لم يقتن سيارة مستعملة حتى لا يتورط في صفقة خاسرة. استشار بعض السائقين ذوي الباع الطويل في السياقة، واطمأن لنصيحتهم. جاءت العروسة، وسكنت مرآب المنزل الجديد ذي الطابقين والسطح المستقل، بدل سكن الفئران الذي اقتسمه، لسنوات طويلة، مع الجيران، في المدينة القديمة، حيث كل شيء مشترك: السطح والفناء والمرحاض.. وحتى الأسرار..
في أول نزهة بالسيارة أخذ أسرته إلى الغابة. وغدا سيذهبون إلى البحر. مر اليوم الأول رائعا.. من قال إن السيارة كماليات؟ كلام فارغ. السيارة ترياق ضد الإهانة.. احسب كم مرة أهنت في السنوات التي قضيتها بين الطرقات، وعلى متن الحافلات؟ انظر إلي الآن: سيد نفسي، وكرامتي محفوظة. كنت أتوسل إلى أحقر سائق ليجد لي مقعدا، ويا ما سافرت واقفا حتى انقصم ظهري..!
لوازم النزهة الشاطئية جاهزة منذ أمس. في الصباح أخرج السيارة، وأركنها أمام المنزل تاركا محركها يدور. دخل المنزل وعاد ولم يجد السيارة..! تسمر في مكانه.. الصباح لله.. لا أثر للسيارة.
أين السيارة؟
هل يحلم؟
إنه لا يحلم. اختفت السيارة.
ذابت السيارة.
سرقت السيارة.
من سرقها؟
سرح نظره إلى الشارع الطويل. يمينا ويسارا. الشارع خال. لا أثر للسيارة. بل لا أثر لأحد. اندفع كالمجنون إلى الداخل. لم يصدقوه. ظنوها دعابة يرميهم بها في هذا الصباح ليتسلى بردود أفعالهم، ويتلاعب بمزاجهم. زوجته، على الخصوص، تجاهلت ما يدعيه، وتابعت استعجال الأولاد لكي يخرجوا. بعصبية أمسك بكتفيها، ورجها وزمجر في وجهها..
لفت نظره ورقة ملقية أمام الباب.
التقطها:
<< كنا في أمس الحاجة لوسيلة نقل ولم نجد غير سيارتك. لا تخبر الشرطة. سنعيدها إليك في المساء >>
هل ينتف شعره؟
هل يشق ملابسه؟
هل يبكي أم يضحك؟
هل يحلم أم ماذا؟
لصوص يعدون بإرجاع ما سرقوه..!
ولماذا يسرقونها إذا كانوا سيعيدونها؟
قالوا إنهم سيستعملونها لأمر إنساني. لصوص نبلاء وظرفاء.. اختلطت عليه الأمور. لم يعد يعرف ماذا يفعل. زوجته تولول وتلح أن يتصل بالشرطة. هو يصرخ فيها أن تصمت، ويقول إنه لو بلغ الشرطة، وعلم اللصوص بذلك، ستضيع منه السيارة، وربما لن ينجو من انتقامهم. اقتنعت الزوجة وسكتت واطمأن هو إلى قراره وانتظر، في استسلام، حلول المساء.
في المساء أرجعوا إليه السيارة، واعتذروا عما سببوه له من قلق ومتاعب، وشكروه على صبره وتفهمه. قبل برحابة صدر اعتذارهم، وشكر الله على رجوع سيارته سليمة. وقبل أن يغادروا دعوه وأسرته إلى حضور حفل زفاف عربونا على امتنانهم. أعطوه بطاقة دعوة مكتوب عليها عنوان الفيلا مقر حفل الزفاف.
كان الزفاف في مدينة (…) السيارة موجودة دائما لتقريب المسافات.. وفي كل الأوقات..
في الليلة الموعودة توجه إلى العنوان المكتوب على بطاقة الدعوة. ولما وصل لم يجد زفافا.. ولا مدعوين.. ولا هم يرقصون..

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع