أخر تحديث : الأربعاء 22 أبريل 2015 - 12:25 صباحًا

الحضن الأصيل

جمال عتو | بتاريخ 22 أبريل, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_atto_jamal

تسلل خفية..كأنه يتملص من قدر..لم يعد يحب من دنياه العارمة إلا تسلله ذاك..كان أشعثا أغبرا..يتصبب جبينه العريض عرقا رغم الجو البارد..وقد أخذ منه التعب كل مأخذ…جلس على عتبة الداربالحي القديم…الدار التي شهدت مولده..صراخه..شغبه..صباه..يفعه..جلس منهكا بعدما ترجل تاركا سيارته الفارهة بعيدا..أخذ نفسا عميقا..وطرق الباب بيد مرتعشة..خرجت امراة مسنة وقورة..وقد غطت رأسها بوشاح أبيض..تتحسس..والابتسامة مرسومة على محياها تعزف سمفونية الأمومة الخالدة..كان في فؤادها حدس أن الطارق ابنها..وحدس الأم لا يخيب..لا يخطئ مرماه ولو عن بعد…وقف برجلين يشكوان السقم..عانقها بحرارة..قبل رأسها..يديها..انحنى أرضا يقبل رجليها… سحبته كطفل..كبير..أدخلته..ليأخذ حماما ساخنا..غير من ملابسه..ارتدى جبة والده الراحل..وتدثر ب ’’سلهامه’’ الأخضر..اغرورقت عيناه..فقد اختزلت له تلك اللحظة القوية الشيء الكثير..قربت له والدته ما يقم به عضده المنهك من طعام..لم يجد رغبة في ذلك..فقط كان يريد عاشقا الركون الى نفسه المحطمة..في مكان ليس ككل الأمكنة..وفي حضن امرأة ليست ككل النساء… كانت لحظة ندم..وتأنيب ضمير..استفاق حسه وهو في بحر اليومي يواجه أمواجه العاتية التي لا تهدأ أبدا..لقد نذر نفسه للعمل..والزوجة..والأبناء..يتابع مشواره الناجح بخطوات ثابتة موفقة..ويوزع وقته الثمين بين اجتماع وسفر.والتزام ومؤتمر..لكنه تنكر للرحم الذي غشيه..واليد التي نافحت عنه قبل أن يشتد عوده …ويستقيم مناله… كان الليل يزحف برزانة ووقار..والرياح الباردة تأذن بشتاء أولى..جلست الأم قرب فلذة كبدها في يدها سبحة..وعيناها تلمحان بأمر عصي عن المقاومة …كانت الرحمة تشع من مقلتيها..رقراقة فياضة… توسد ’’حجرها ’’في أمان ملا ئكي..وطلب منها أن تنشد له أنشودة الصبا… قبلت جبينه في حنان..وأخذت تلمس رأسه بلطف وهي تتلو بنبرة مؤثرة….. ’’ أشتا تا تا تا تا…أوليدات الحراتا… طيبولي خبزة بكري…باش نعاشي وليداتي… وليداتي عند القاضي..والقاضي ما فراسو خبار……………’’ انحنت عليه..فإذا به قد استسلم راضيا لنوم هادئ عميق…..

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع