أخر تحديث : السبت 2 مايو 2015 - 8:57 صباحًا

يوميات مدرس في الأرياف : المستشفى الجامعي المتعدد التخصصات

منعم الموذن | بتاريخ 2 مايو, 2015 | قراءة

MOUNAIM

توقفت سيارة المرسديس 207 لقد وصلنا، فُتح الباب حملتُ المشتريات، ما كدت أضع قدمي اليسرى على الأرض حتى أحسست بقوة قاهرة تعصف بي، أطارت الكيس من يدي وطوحت بي أرضا، سمعت صوت طرطقة أصابع قدمي اليسرى لقد انخلعت من مكانها، دققت النظر… إنه حمار جارنا (إبراهيم) و قد امتشق سيفه من مؤخر بطنه يطارد أنثى بغل هاربة قادها حظها العاثر للمرور من أمامه…المأْفُونُ الوقح إنه في ساعات سعاره يتشمم حتى مؤخرات النساء !
ساعدني تلامذتي في حمل أكياسي، اتكأت على أحدهم حتى وصلت إلى مسكني، تداعى الجيران لعيادتي فنصحوني بزيارة (خدوج) فمنزلها لا يبعد كثيرا عن المدرسة، بعد استراحة قصيرة التقطت أنفاسي، قادوني إلى المرأة الأربعينية الشقراء، ما كنت أعتقد أنني سأزور اختصاصية حقيقية في العظام والمفاصل، اكتشفت للتو أن شهرتها تتجاوز حدود (أكرسيف) لتعم كامل تراب الإقليم، وأن كبار الاختصاصيين في المستشفيات العمومية يستشيرونها في بعض الحالات المستعيصة، بتدليك بسيط بالزيت أرجعت أصابع قدمي الشاردة إلى موضعها ثم استخدمت شاشا و عجينا كي تضع لي جبيرة نزعتها بعد أسبوعين فكانت النتيجة مبهرة.
ليست (خدوج) وحدها من تجعل القرية تُزار طلبا للتداوي، تلميذتي سارة (المستوى الخامس) توفي أبوها وهي لاتزال في بطن أمها كانت هذه هي المواصفات المطلوبة لتجعل منها اختصاصية في علاج التمزقات العضلية باستخدام سكين تضعه على مكان التمزق وتقرأ ما تيسر من الذكر الحكيم، العجوز (تابلحكت) اختصاصية في إرجاع حلق الرضع، أم (قشبال) تخصص تشوه رؤوس الأجنة، ، جدة (وسام) تعالج الحروق و الأمراض الجلدية باللعق و الرماد، زوجة الحاج (زِيرُو) تعالج تَقَيُّحاً يصيب اللسان يدعونه هنا (الخَايْبَة).
أما عن المُوَلِّدَات فكل نساء القرية متخصصات، تسمع هنا عن قصص لا تنتهي لحوامل فاجئهن المخاض و هن يكدحن في حقول القنب الهندي فقطعن الحبل السري بأسنانهن، أما أمراض الروماتيزم المستفحلة في المنطقة فيتكلف بها (أبو محفوظ) من قبيلة (ولاد آزم) الذي يزور القرية في موسم جني القنب الهندي للتسول، فهو يعالج المرض باستخدام عشبة تُحرق وتعويذة تُتلى فجرا.
أما في تخصص الأمراض النفسية و العصبية و طرد الكائنات الضوئية الخارقة من جن و مصاصي دماء و مستذئِبِين، و التي تسكن أجساد البشر دون أن تكلف نفسها أداء سومة الكراء، وطب الأسنان، فيبقى (الفقيه) سيدها بلا منازع، من كل الأعمار والفئات والمناطق تجدهم في قاعة الانتظار بالمسجد، لكني اكتشفت أن ابنه طالب في شعبة السوسيولوجيا بمدينة سبتة مصاب بالصرع ويعالج من طرف طبيب مختص !
هكذا حصلت الجماهير الشعبية في (أغرسيف) والنواحي على مستشفاها الجامعي المتعدد التخصصات ودعمت رصيدها من آليات الدفاع الذاتي في مواجهة الإقصاء والتهميش.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع