أخر تحديث : الثلاثاء 26 مايو 2015 - 10:35 مساءً

حديث الروح

جمال عتو | بتاريخ 26 مايو, 2015 | قراءة

jamal_atto

أحس بعدما أغمض عينيه استعدادا للنوم ببرودة أعقبها انتفاخ مفاجئ في أخمص قدميه، بدأ قلبه يخفق رعبا ثم ما لبث أن تخلى عن انتظامه ايذانا بالتوقف،شعر بالخمول يسري في جسمه الى حد العجز التام،حاول أن يستجمع قواه لينهض فما استطاع،بكى خفية ،تحسر،اختزلت له تلك اللحظة في ثوان معدودة الحياة في أوسع معانيها،كان يحملق بعينين تائهتين في أرجاء بيته المعمور،ولسانه كأنه قطعة من خشب،ردد الشهادتين في أعماقه،فاستوى على السرير جثة هامدة،خرجت روحه ترفرف الى العلى،لكن شيئا من الادراك بقي يراوده لا يبرحه.سمع نحيبا متناثرا هنا وهناك،ودعوات بالعفو والغفران،وجلبة تغمر المكان في تسارع مثير،أحس بأيادي تلامس وجهه الشاحب المائل للزرقة،وصدره الخافث في حنو ولطف،حاول مرة أخرى أن يفتح عينا ليرقب المشهد،لم يستطع،أخذ عبق البخور يراود أنفه،استأنس به رويدا ،ليتم نقله على محملة خشبية الى مكان آخرلا يعرفه،أدرك أن شخصا ينزع عنه لباسه بتوأدة فنادى على آخر ليمده بأسطل من الماء نال منه غسلا شاملا،ثم ما لبث أن كفناه بثوب وأودعاه فوق محملة أخرى،تحلقت حوله الجموع في خشوع وألم معتصر،رددت آيات بينات،دعوات ،شهادات،سمع بالكاد بكاء طفلة كان يحبها ويعزها،حاول أن ينهض في تحد هلامي ليحتضنها حضنا أخيرا،فتيقن مرة أخرى أنه لن يستطيع،رفعت المحملة الخشبية على الأكتاف،تسارعت الخطى كأنها على موعد مع موقف مثير،تردد على مسامعه حديث اثنين أقرب الى النجوى،فعلم أنه متجه الى حفرة تسمى القبر،حيث سيقضي ليلته الأولى وحيدا،تذكر أمرا جليلا يستحق الجهر قبل أن يدعه القوم بالقبر ويرجعوا،استجمع قواه كلها هذه المرة ورفع يدا الى السماء من تحت الغطاء وهو يخاطب الجمع بجهر:
_”ألا ان الروح أبهى من الجسد،ألا ان الجسد ملاذه الفناء،والروح ملاذها الخلود”.
تحسس بيد مرتعشة ،فتح عينيه في حذر،حملق باندهاش،كانت زوجته تربت على كتفيه وهي تحمل كأسا من الماء وتهمس في وجل:
_”لقد خفت عليك،كنت طيلة الساعة تهذي،بعد أن أغمضت عينيك استعدادا للنوم”.
تناول جرعات في ارتباك،وعقب بصوت خافت بعدما تمدد وتنهد :
_”كنت في رحلة قصيرة مع الروح،تحسسي رجليي هل بهما انتفاخ؟”

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع