أخر تحديث : الجمعة 29 مايو 2015 - 6:19 مساءً

طرائف ومواقف: امتحان الباكالوريا وطوارئ خارج جذاذة التنظيم

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 29 مايو, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_mouden_med

كان فصلا ممطرا، وموسما دراسيا خصبا، ومسارا تربويا موفقا، حصد التلاميذ خلاله نتائج طيبة، رغم أن سماءه قد أرعدت وأمطرت، وكادت أن تغرق سكان القصر الكبير في لجج الفيضانات المتكررة، وخاصة ليلة وصبيحة امتحان الدورة الأولى من امتحان البكالوريا، تجمع أساتذة وإداريو ثانوية أحمد الراشدي قسرا لدى الحاجز المائي الذي يفصل بين ضفتي المدينة، ضفة حي السلام حيث توجد ثانوية أحمد الراشدي، والضفة الأخرى حيث يقطن الأساتذة والأطر الإدارية للثانوية إلا خمسة أو ستة، أما التلاميذ فهم أبناء الحي، تداول مدير المؤسسة وناظر الدروس والأساتذة المدعوون للحراسة وباقي الأطر التربوية حول مخرج لهذا المأزق، وكاد أن يستسلم الجميع للأمر الواقع، فيفشل المسعى، ويلغى الامتحان، فتتناسل العواقب والمضاعفات والمساطر والإجراءات، الجميع وقف عاجزا أمام هذا العائق الطبيعي، إلا أستاذا واحدا غامر فركب مع بعض المتهورين عربة يجرها حصان، انقلبت بهم قبل اجتيازها التيار المائي، ونجوا من الغرق المحقق، وكأن مدير المؤسسة ذ أبو بكر بوسلهام استمد الشجاعة من الأستاذ المغامر، فأصر على الالتحاق بالثانوية، بصفته رئيسا لمركز الامتحان، اقترح عليه مدير الدروس أن يطلب من مدير الأكاديمية أن يصدر تعليماته للتحويل مركز الامتحان في اليوم الموالي إلى مدرسة التوحيد، ليتمكن الأساتذة من الوصول إليها والقيام بواجبهم المهني، ولإنقاذ الدورة من الفشل، أما التلاميذ فهم يستطيعون الالتحاق بالمركز الجديد بطريقة أو بأخرى، على أن يتولى الناظر العام القيام بكل الإجراءات الضرورية لنجاح عملية تغيير مركز الامتحان، وتوفير كل ما من شأنه أن يساهم في أن يمر الشطر الثاني من الامتحان في ظروف جيدة.

قبل أن نرافق ناظر الدروس في ركضه في جميع الاتجاهات، نطل خلف الحاجز المائي لنرى ماذا جرى، قطع السيد المدير حوالي ثمان مآت متر يلتمس منفذا، وأخيرا وجد التيار قد ضاق عرضه بين ضفتيه الشرقية والغربية، فاعتقد أنه قادر على اجتياز الحاجز من هنا، فشد إزاره واقتحم الماء فجرفه إلى المنحدر، ولولا الألطاف الإلهية لوقع شر مما وقع، بعد مقاومة ومشقة استطاع ذ أبو بكر أن يصل إلى الضفة الأخرى، بعد أن فقد حداءه، وقطع المسافة إلى مركز الامتحان حافي القدمين، وتلك ضريبة أخرى للمسؤولية التربوية، وبصمة واضحة على حب المهنة، وصورة حية للمواطنة الحقة، وصل في الوقت المناسب إلى المؤسسة في حالة يرثى لها، مبلل الثياب، حافي القدمين، منكسر النفس، ومنتصرا في الوقت ذاته على حالة الطوارئ، دخل مكتبه ونزع ثيابه خوفا من نزلة برد، وبقي بسرواله القصير يلملم أطرافه، ويستجمع قواه الفكرية والوجدانية، لأنه لم يعد يفصله عن بداية الامتحان إلا القليل من الوقت، اقتحم مكتبه بعض ممن حضر من الإداريين والأساتذة القاطنين بجوار ثانوية أحمد الراشدي، وأعوان ثلاثة، وجدوه شبه عار، فأحضر له أحد المعيدين وزرة أحد أساتذة مادة علوم الحياة والأرض كانت معلقة بقاعة الأساتذة فلبسها، وانطلق الجميع إلى جناح التلاميذ ليتدبروا أمرا لم يسبق حدوثه قط، خمسة أطر أو ستة، وعشرون قاعة تتطلب أربعين حارسا، لم يعد الحساب في مثل هذه الحالة مجديا، المهم أن يمر الامتحان وعلى الدنيا العفاف، خصص المدير حارسا لكل حجرتين أو ثلاث، واستعان بالأعوان، ومر اليوم الأول للامتحان على كل حال.

رتب ناظر الدروس خطواته المفترضة، وإجراءاته المستعجلة، فاتصل برئيس قسم الامتحانات وذكره بضرورة الاتصال بمدير مدرة التوحيد مركز الامتحان المفترض الجديد، من أجل توقيف الدراسة مساء ليتسنى لطاقم إدارة الثانوية وضع جميع الترتيبات الضرورية للامتحان، ثم هاتف الناظر أحد أصدقائه بإذاعة طنجة ، الذي استجاب له لإذاعة بلاغ تغيير مركز امتحان الباكالوريا من ثانوية أحمد الراشدي إلى مدرسة التوحيد ابتداء من صباح الغد لأسباب طبيعية قاهرة، وقد أذاته على رأس كل نصف ساعة، فساهمت في نجاح عملية التحويل، كما استنسخ ناظر الدروس البلاغ في عدة نسخ وملصقات علقها في جميع المؤسسات التعليمية بالمدينة، وفي بعض الأماكن العامة، ليصل الخبر إلى أقصى مدى.

في صباح اليوم الموالي التحق الأساتذة والطاقم الإداري للثانوية وجميع التلاميذ المرشحين لامتحان الباكالوريا دون أن يتخلف منهم أحد، ساعد على ذلك تراجع منسوب مياه الفيضانات، والتعبئة الشاملة التي قام بها جهاز الإدارة التربوية للمؤسسة، وقيل الحمد لله، لقد تم إنقاذ الدورة الأولى من امتحان الباكالوريا بفضل مجهودات جميع المتدخلين.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع