أخر تحديث : الثلاثاء 9 يونيو 2015 - 11:13 مساءً

في ليلة مظلمة

الطاهر الجباري | بتاريخ 9 يونيو, 2015 | قراءة

11406921_1020

جن الليل، وألقى ستارته الداكنة على وجه الأرض، فألفيت نفسي منكمشا متكوما فوق فراشي، والنوم العنيد استعصى ولم يراود جفني، فغشيني أرق قرح أحداقي فانتفضت من فراشي منتفخ الأحداق ولم أشعر إلا ورغبة جامحة تسكنني في داخلي تدفعني إلى وجه العراء أغازل لون الليل في سراديب الحياة الملتوية الباردة.

مشيت ببطء في زقاق معدم كئيب انحنى عليه نور باهت ينتحب و يرتج من داخل قنديل بئيس نشب في عمود يرتعش بنفض الرياح في جو صاخب مدلج، وفي داخلي يغمرني صمتي الغضوب و خطواتي تدق إيقاعها الرتيب فوق أديم الأرض في ترتيلة ثقيلة حزينة كأنما تنسج من ذلك الإيقاع معزوفة الموت في هذا الفضاء العابس الذي كان ينذر بولولة العاصفة وغزارة الأمطار، وتابعت سيري مستورا صامتا في وحدتي وانفرادي كأني أجد من هذا الفضاء القاتم اللذة والنشوة أو دواعي اليقظة الروحية تنتهي بي إلى الإحساس بالجوهر المطلق في تفاصيل الحياة بأسرارها الدفينة ومرئياتها المتبرجة.

وبعد هنيهة.. انتهى إلى سمعي أنين خافت آت من قلب ركن منزو مظلم فتحاملت على نفسي بتلك الخطوات المترنحة متجها صوب ذلك الركن المستوحد لأتفقد سر صاحب هذا الأنين الموجع، فاقتربت، فأجد نفسي أمام صبية بين ذراعي أمها ممتقعة اللون يبدو عليها الذبول والإصفرار، وقد اتشح لونها بنقاب الموت، صبية لا زالت في مدارج عمرها الندي تتدرج بين مرح للطفولة تحلم بالأمل والحياة و بين حنين للأمومة تأمل الدفء والحنان، فحولت الأم نظرها صوبي بعينين غامرتين بالدموع تركتهما شاخصتين اتجاهي و قالت لي بصوت دفين مختنق: ” إن صبيتي تموت” وانحنت فوقها تضمها بحرارة وتقبل جبينها وعنقها بقبلات طويلة في وداع مؤلم مثير، وارتميت أنا على الأرض جاثيا أنظر إلى جثة الصبية وأعاتب الموت الذي انتقى هذه الزهرة الندية في ميعة العمر وألقى عليها وشاحه الممتقع الباهت، فقمت منتصبا راجعا ساترا وجهي بكفي وأنا أخاطب نفسي: “ما أكثر البؤساء في هذا العالم و ما أشد ضيمهم ووحشهم.. هم بحاجة إلى مأوى.. بحاجة إلى مسند يستندون إليه رؤوسهم أو موتاهم”.

وتابعت طريقي مستجمعا قواي الخائرة أنتحب وأتوجع، و كانت هذه الليلة أطول من الزمن دهرا وأشد من الموت هولا، ليلة من ديجور سوادها تناثرت فيها أنفاسي أكواما متلاشية محترقة هدها يحموم الشجن وأنهكها طول السهاد، فيما ظلت جثة الصبية شاخصة في مخيلتي كأنها تهمس في داخلي بأسرار الألم والمعاناة لدى من هم أمثالها من البؤساء.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع