أخر تحديث : الأحد 5 يوليو 2015 - 12:13 صباحًا

رمضان لا ينسى

سفيان البوطي | بتاريخ 5 يوليو, 2015 | قراءة

bouti

القليل من التمور، والبعض من الفطائر الشهية من صنع الوالدة، بالإضافة إلى محبوب المغاربة كأس الشاي المعتق، كانت هذه هي قائمة عدتي لأول يوم صمت فيه رمضان في حياتي..
طوال اليوم لم أسلم من مراقبة أمي لي، كانت المسكينة كل ماتنتهي من عمل ما تعود وتسألني برفق، وبحنان كبير:
-هل كل شيء على ما يرام يا بني؟
-أجيب بكل ثقة في النفس وتباه: نعم أنا بخير، لا تهتمي لأمري، هل أساعدك في قضاء أشغالك؟
-تضحك وتضحك، لا يا بني، الشغل الذي تساعدني فيه هو أن تتم صيامك ولا ترضخ لوساوس أخيك…
هو حوار لم يفارقني يوما واحدا من أيام رمضان في حياتي، كلما تذكرته خامرني شعور غريب، ربما هو كان فرحة أوحزنا، أو قد يكون هما معا…
بعد أكثر من عشر ساعات من الإضراب عن الطعام، جاءت الوالدة توقظني من نومي الذي كنت دخلت فيه مايقرب عن نصف اليوم:
– انهض يابني، المغرب يؤذن، ها هي قد دقت ساعة الفرحة.
– وأخيرا، وأخيرا..
من كثرة الجوع وألم الرأس الذي انتابني طيلة اليوم، دخلت في حالة هيستيرية من الأكل، آكل ذاك وأنتقل لتلك، أشرب عصيرا وأعبر للحريرة والشاي، لا يهني أي تنظيم أو أي ضرر…
بعد هذا النزال الجميل الذي دار بين جوعي وبين مائدة الإفطار، حان موعد الطقوس التي ذأب عليها آباء المغاربة كجزاءً لأبنائهم مقابل صيام أول يوم في حياتهم، تلك الحناء شديدة الخضرة، وذاك الجلباب الذي طالما حلمت في امتلاك مثله، هما كذلك حفرا لهما مكانا في الذاكرة يصعب للمرء إغلاقه ذات يوم.
ومن شدة الفرحة وتعب أول يوم صيامي، نمت قبل موعد نومي بكثير، تقلبت العديد من المرات، من جهة إلى أخرى، وفي كل مرة أعيش مغامرة خارقة، لكن من صاحبتني إلى اليوم، هي تلك المغامرة التي خضتها مع ” المسحراتي”، فقد تنقلت معه من درب إلى درب ومن زقاق إلى زقاق، نضحك مع الصغار ونسلم على الكبار، نتقل الخطى في الزقاق التي أهلها أقل عطاء يوم السادس والعشرين من رمضان، ونسرعها في الأخرى، تلك التي تجود على المسحراتي وتجزي عطاءاتها له…
كان المسحراتي سعيدا برفقتي، يعطيني من تارة إلى أخرى الطبل، ويعلمنى باهتمام قواعده، لكن أكثر ما قدمه لي في تلك الليلة الليلاء، رحلتنا نحن الإثتنان فوق حصانه الطائر إلى عالم السماء والنجوم، فقد سرني كل ما شاهدته ليلتها وأدخل البسمة على قلبي، بعد هذا الحدث كل من أعدت له سرد وقائع هذه الرحلة ظنني أحمق أو كثير الأحلام…
كان ذاك اليوم يوما مشهودا، يوم ذكرني به إبني الذي أقبل اليوم على أول صيامه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع