أخر تحديث : الأحد 12 يونيو 2011 - 5:54 مساءً

” بـارانـويا “

ذ. عبد الواحد الزفري | بتاريخ 12 يونيو, 2011 | قراءة

 

في غير فراشي استفقت ذاك الصباح، أحسست ساعتها برأسي ملفوفا في وسادة أسطوانية ناعمة، لا شك أنها كانت محشوة بريش صغار النعام، فتحت عيني على سقف به نقوش أندلسية مرشوشة بماء الفضة، وستائر من “الساتان” الأزرق منه قد تدلت، وأحاطت بحافة السرير الذهبي الذي كنت نائما عليه، ولما تفقدت جسدي وجدتني في منامة حريرية حمراء مضمخة بأريج عطور زكية، التفت من حواليّ، على يميني وجدت فتاتين بعمر براعم الزهر وقت ربيع، وعلى يساري مثلهما حسناً وبهاءً أو أكثر.

في البداية، ظننتني في عالم المنام، وأن الفتيات المستلقيات بجانبي لسن سوى بنات أحلام، فركت عيني كي أمسح ما علق بها من أوهام، ولأزيل عنهما عمش النوم، تفوهت سبع مرات، بصقت في عبي “تف، تف، تف…”، واستعدت بالله من الشيطان الرجيم. فتحت عيني، وجدت أن الأمر لم يتغير فيه شيء: البنات، هن هن، بلحمهن وعظمتهن، لازلن من حولي في سهد عميق، وما أن هممت بتلمس نهد من النهود التي تخلصت من حمالاتها، إذ بنفر من الجواري والخدم والقيان يصيحون بصوت كورالي:

– صباح الخير، مولانا “هارون الرشيد”…

مفزوعا انتفضت من ذاك الفراش الرخو (كما العجين)، حتى أني تعثرت في الأجساد البضة وقذفت خارج السرير، وقبل أن يرتطم رأسي بالبلاط الرخامي،  التقطتني أيادي القيان، وهم يرددون:

– “الله يحفظ مولانا السلطان…”

أعادوني إلى وقفتي الطبيعية، أجلسوني – قرب نافورة – على أريكة من الجلد الرفيع، وكانت مزدانة بوسائد من جميع الأشكال والألوان، ثم جاءني قزم يتبختر ويتحرك داخل سرواله العربي بخطوات سريعة كي يتقدم خطوة إلى الأمام، وبيده “مبخرة” ذهبية اللون، يحركها يمنة ويسرة، فيتصاعد منها عباب عبق المكان مسكا وعنبرا، وبعد هنيهة نصبوا أمامي مائدة نحاسية كبيرة، بها فواكه نادرة، ودنون ذهبية ملئت عصائر بمختلفة الألوان، وصحون فضية تحوي كل أصناف الفطور الممكنة:  تشكيلة متنوعة من الحلويات، مربى طري، زبد شهي، لبن مخيض وآخر غير مخيض، عسل صاف، وأنواع كثيرة من الفطائر (المغربية)، وكذا أصناف متنوعة من الأطعمة التي لم أتبين ما هي، ولا من أي شيء هيئت؟ ثم تراجعوا جميعا إلى الوراء…

لم أعد أحتمل المزيد من هذه “الهلوسات” التي لا يقبلها عقل إنسان، – وإن كان أخرقا -. كيف أصدق ذلك؟ أيمكنني أن أتحول بين ليلة وصباحها من نزيل بمستشفى، إلى فخامة”هارون الرشيد” – بجلالة قدره – دفعة واحدة؟ا. أقمتُ برحلة عبر الزمان كما يقولون دون علم مني؟ا

  للحظات طويلة بقيت مبهوراً، مسحوراً، أتأمل المكان وأعيد تنظيم أفعالي في الزمان (على عكس دوران عقارب الساعة)، لكني أثناء ذلك لم أحرم نفسي من التلذذ بما لذ وراق الملوك والأمراء في سالف العصور والأوان، ولم أغضض طرفي، بل ظللت أتفحص تفاصيل أجساد تلك الجواري وأتلمظ حتى أني أدميت شفتي السفلى والعليا معا، وبين الفينة والأخرى كنت أحرك حواجبي في كل الاتجاهات، وأمد يدي نحوهن بحذر شديد مخافة أن يتبخرن مع أحلامي الوردية، وهن يغمزن، ويتغامزن ويتآمرن، يخططن ويحكن الدسائس لمتعتي: يداعبنني، يقبلنني، ثم يتمايلن ويتباعدن في دلال وانسجام، يا سلام.

بعد شبه استكفاء من التلذذ بتلك الطيبات عدا البنات، امتدت نحوي يد في البداية خلتها من رخام، لكنها كانت لجارية هيفاء، حوراء، ناصعة، كأن بياضها من نسيج الثلج أو من مشتقات الحليب، وكانت أروعهن وأبهاهن. ناولتني كأسا من ” البلور” بعدما ضمته إلى صدرها وقبلته بحب شديد، وكان به مشروبا أحمر اللون تفوح منه رائحة الكحول، وارتكنتْ تعزف على العود، وتغني تواشيح الغرام، بنعومة ورهافة جناح فراشة، أما الأخريات فكن يقبلنني، ويهرشنني، ثم يبتعدن عني ليرقصن بأردافهن المنحوتة رقصا يوقظ النيام، وينوم المستيقظين. فتنت بجمالهن وطربت لسحر مواويلهن، ورحت – دون وعي مني – أشفي غليلي من ذاك المشروب – رغم مرارة مذاقه – الذي أوقد في البدن نيرانا . في تلك الأثناء، عبثا حاولت ترتيب أرشيف ذاكرتي: أيعقل أن يكون السفر عبر الزمان ممكنا؟ لم لا؟ ربما كان “آينشتاين” على حق، أو أن التاريخ – مثلا – راجع أحداثه، وصاغها من جديد، بعد اكتشافه لخطئه الفادح، وتيقنه بأني كنت الأنسب للعب دور”هارون الرشيد”؟  بدلا عمن صال وجال، طرب ومال، سكر وبال في قصور بني العباس، فهذا احتمال وارد. أو قد تكون أعصابي هي التي ضاقت بترهات حياتي، فغيرت واقعي الغريب بالمحال العجيب، كي يستريح دماغي من رتابة حياتي، وحيرة السؤال؟ فضلت عدم الإجابة عن تلك الأسئلة المغرضة، الحقودة، حفاظا على ما أنا فيه من عز، ووجاهة، وترف لم تعشه سلالتي منذ نشأتها. عدت لأجواء بني العباس، وللفتيات والكأس، وانغمست في النشوة والملذات: صرت أنا الآخر أتمايل وأطلق العنان لمواويلي ” يا ويلي يا ويلي…على بياض ليلي”، وآكل قطعة من تلك الخيرات، وأسترق قبلة أو قبلتين من تلك الفتيات، وعندما يذهبن للرقص، أعود لسلواني وشرب المدام.

 بعد حين، بدأت أشعر بدوران، ونزلت علي غشاوة ، فإذا بي أتكبر، وأستعل على من كانوا يخدمونني بهمة وقلة شرف، ولسوء حظي(العتر) لم يكن بفمي طعام، أو شراب يشغله، فانفلت الكلام اللعين من عظمة لساني:

– خسئتم، أيعقل أن أكون أنا هو هارون الرشيد؟

اقترب مني شخص لم يكن بلباس باقي الحشم: طويل القامة، مشرئب العنق، منتفخ البطن، مفتول الشوارب، مترهل العضلات، وعلى رأسه عمامة على شكل بطيخة كبيرة مزركشة، أما حذاؤه فكان على شكل هلال ذهبي، مما لا يدع شك في أنه “الفضل بن الربيع” حاجب السلطان هارون، بتودد ولطف مبالغ فيه أجلسني على كرسي العرش، ركع لي محييا وتراجع إلى الوراء قليلا ثم قال:

– أفي ذلك شك؟ ومن غيرك يستطيع أن يكون “هارون الرشيد” يا مولاي؟ تناول فطورك، فالغذاء جاهز كي تتناول عشاءك بشهية، فقد أعددنا لك سهرة أنس ومؤانسة غنية، تصل الليل بالنهار، ولئن استحسنتموها لنلحقنَّ نهارها بليلها في قصرك”الخلود”، ليروق مزاجك، وتصفو سريرتك، كي تتدبر أمر المؤمنين بحكمة، وسعة خاطر، وطول بال. أحضرنا لك يا مولاي: جواري – حور عين – من بلاد فارس واليونان، ما رأيت مثلهن أشهى وأحلى، وأقرب إلى قلب السلطان، موشحات زرياب بصوت إبراهيم الموصلي، ومداحون من المغرب الأقصى لا ينطقون إلا مديحا، سحرة – عجب العجاب- من بلاد الهند والسند، وعدد من الشعراء النوابغ وعلى رأسهم “أبو العتاهية”، وجمهرة من أفاضل الأدباء والعلماء، والمهرجين. أما من أرض الكنانة، أحضرنا لك هذه المرة يا مولاي، راقصات متمرسات لا يتعب لهن خصر أو يهدأ لهن صدر. وأنواع من المأكولات مما تشتهي و تستطيب، وكالعادة، من الزبيب والثمر المنقوعين في الماء الفاتر، عتقت خمرك المفضلة التي لم يحرمها الإسلام، كي تعاقرها رفقة ندمائك المفضلين: العباس، وبن أبي مريم المدني، والخزاعي يا مولاي.

ثم انحنى وقبل كفي، فاكتشفت أن بخنصري خاتم (تحفة)، نقش عليه ” بالله ثقتي”، بصوت خافت نبهني الحاجب:

– هل من أوامر أخرى، يا مولاي السلطان؟.

في الحقيقة، سال لعابي لسماع هذا النعيم الشهي وبذخ الليلة الصباحية، التي يتمناه المرء لنفسه، ويستنكرها على الآخرين، ولكني لا أعلم كيف صرت كمن شم مؤخرة قرد: غلى الدم في رأسي، وعادت إلي حماقتي؟ تهورت، وصحت كالزنديق، الفاسق، السكران، بأعلى ما أوتيت من قوة:

   – ثكلتكم أمهاتكم جميعا، أنا لست “هارون”، ولا “قارون” ولا هم  يحزنون.

بهيبة تراجع الجميع – مفزوعين – إلى الخلف، إلا الحاجب، حجب ابتسامته بطرف كمه، اقترب مني بأبهة، ومال على أذني هامسا:

– ما بك يا مولاي؟ ألم تعجبك ليلة الدمشقيات؟ أوجدت إحداهن ثيب؟ أو بإحداهن خدش أو نمش، أو ما شابه ذلك لا قدر الله؟ أم أن كابوسا لعينا تسلل خفية عن أنظار ملائكتك، حراس قلعة أحلامك البهية وقام بتشويش ما؟.

على رأسي أشبكت كفا بكف، حركته، وصرخت حتى كدت أتقيأ:

– الكابوس هو ما أعيشه الآن. ما هذا الذي يحدث؟ أنا لست “هارون”، ولا أريد أن أكون إلا ما أنا عليه:

أنا “أحمد الجبلي”، ورقم بطاقتي: 117974 ج، وأقطن في حي “الأندلس” بمدينة القصر الكبير المغربية، فمن أنتم؟.

استشطت غضبا، وأزبدت وأرعدت، حتى أرغى فمي، فوجدت الطبيب البريطاني “ريتشارد” – الذي يشرف على علاجي – يخرج من بين الحاضرين: نزع عنه لباس الحشم، وعن وجهه أماط لثاما أسودا، ابتسم في زهو، عانقني والتفت نحو خدامي (المفترضين)، صفق مهنئا وقال مشجعا:

– “برافو”…، أنتم ممثلون بارعون، لقد أديتم دوركم بإتقان، وبهذا الشكل تكون العملية قد كللت بالنجاح، نزع نظارته وعلى عنقه علق سماعته، ثم قال لي:

– بصعوبة كبيرة خلصناك من مرض “البارانويا” يا أخي، كنتَ مهووسا بشخصية “هارون الرشيد” حد التماهي، بل الذوبان فيه. ما تركنا وسيلة تجعلك تعدل عن تشبثك بشخصيته إلا وسلكناها، بالأمس أوهمناك بأننا سنجري لك جراحة في الدماغ، فدفعت ثمنها مسبقا، ثم بعد ذلك خدرناك، وها قد أعدناك بهذه المسرحية الصادمة إلى خلقتك وجبلتك الأولى، يعني أخضعنا دماغك لعملية إعادة البرمجة ” formatting”

صدمتني المفاجأة المقيتة، وأصبت بإحباط كبير، وندمت على ما كان مني ومنهم، فما كان علي إلا أن أرفع كفي إلى الله متضرعا وأدعو:

– “يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه”.

في نهاية الأمر، وبعد ما جس الطبيب “ريتشارد” نبضي، ابتسم كعادته، وقال:

– كيف كنا؟ وكيف صرنا؟ ضغطك مستقر، حرارتك عادية باستحضار ما كنت فيه، ثم أشار نحوي بإبهامه منبها:

– سلم عهدة التمثيل كي نرجعها لمستودع المسرح البلدي، ولا تنسى الخاتم.

 بكيت حتى تطاير دمعي في وجهه، وفي أذنه وشوشت:

– بالله عليك يا دكتور، إن كنت قد شفيت من “هارون” فإني لم أشف بعد من جواريه، ألا يمكنني الاحتفاظ بشخصيته، ولو لليلة واحدة ؟.

أجابني:

-” game over”.

 

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع