أخر تحديث : الجمعة 10 يوليو 2015 - 12:35 صباحًا

ساعة في الجحيم

عادل البدوي | بتاريخ 10 يوليو, 2015 | قراءة

badaoui

كان شهر يونيو وحده كافيا لتتحول الحياة في الفرعية البعيدة إلى “مستنقع ضجر”، فكيف الحال و قد تزامن حلوله تلك السنة مع قدوم شهر رمضان و انطلاق مونديال الأمجاد “ميكسيكو 86″؟ لهذا كان طبيعيا أن يحاول “مراد” المعلم الشاب الهرب من هذا الحجيم بأي ثمن، لسوء حظه أن “السيبة” لم تكن قد اجتاحت قطاع التعليم بعد، و إلا لكان قد غادر بكل بساطة، لكنه كان بحاجة إلى شهادة طبية تعفيه مما تبقى من أيام عمل، و ترسله إلى أهله البعيدين لينعم هناك بحياة “آدمية” و يستمتع بمشاهدة مباريات المونديال في مقهاه المفضل. نصحه صديق بالتوجه إلى طبيب نفساني في مستشفى الأمراض العقلية يمنح شواهد متوسطة و طويلة الأمد بسهولة، لم يفكر مراد في تبعات تواجد شهادة طبية من هذا النوع في ملفه الوظيفي، فقد سارع لقطع المسافة الطويلة التي تفصله عن المدينة، و قصد المستشفى على عجل، و عندما وصل وجد بالباب دركيا و ممرضا بوزرة بيضاء و عونا بوزرة زرقاء، كان الثلاثة يخوضون في موضوع الساعة “كرة القدم” و يثنون على أداء المنتخب في مقابلته الأولى،حاول مراد مشاركتهم الحديث غير أنهم أحجموا عنه، لكنهم سرعان ما بدؤوا يرمقونه بنظرات غريبة، تفطن مراد إلى أن ملابسه متسخة، و أن ذقنه قد خاصمت شفرة الحلاقة لأيام، أسرع الدركي و أقفل الباب الحديدي بعد أن أصبح مراد في الداخل، ثم طلب منه الممرض الالتحاق “بزملائه” في القاعة المجاورة، فقال مراد:
-أريد أن أرى الطبيب.
أجابه الممرض:
-طبعا ستراه، لكن التحق أولا بزملائك.
صعق المعلم و قال بحزم:
-من تظنني؟ أنا أستاذ و أريد أن أقابل الطبيب فورا!
-أستاذ؟! طبعا طبعا أستاذ! هل ترى ذاك الجالس هناك؟ إنه يقول أنه “أحمد عصمان”، قلت لك إذهب إلى القاعة!
لأول مرة في حياته وجد مراد نفسه مطالبا باثبات أنه عاقل، و المصيبة أنه كلما صرخ نافيا تهمة الحنون عنه إلا و زاد يقين من حوله بعكس ذلك.. لحسن حظه أن بعض الوثائق التي يحملها معه أنقذته من الورطة، و استعد لمقابلة الطبيب أخيرا، فكر في الإنسحاب و العودة لعمله، لكن ما وقع له زاده اصرارا على مغادرة المنطقة فورا. خاصة بعد انتهاء المشاكل، أو هكذا توهم.
كان منظر الطبيب غريبا،يبدو كالدكاترة المجانين الذي يظهرون في الأفلام، نظراته مريبة، شعره طويل، و تعلو وجهه صفرة شديدة، سأل المعلم بنرفزة:
-آش بغيتي؟
أجابه:
-أريد شهادة طبية فأنا أحس أنني…
قاطعه الطبيب:
-شهادة طبية؟ قال لك “البركاكة” أنني أمنح شواهد طويلة؟ تبا لك و لهم!
شد الطبيب شعره، و فتح درج مكتبه، فكاد قلب مراد يتوقف خشية من تصرف مجنون، غير أن الطبيب أخرج شريط دواء، تناول حبة، و ناول مراد أخرى، فبلعها دون تردد رغم أنه نهار رمضان، تابع الطبيب بعصبية:
-خذ خذ، هذه شهادة مدتها خمسة عشر يوما، سير عاودتاني قلها ليهم، أنا ما كانخاف حتى من واحد، يا الله نوض قو… عطيني بالتيساع.
خرج مراد يهرول من المستشفى، فكر في تمزيق الشهادة المشؤومة و العودة لعمله، لكنه أشفق على نفسه أن يذهب ذله و عذابه سدى،فسارع بتقديم الشهادة لمديره، و ركوب أول حافلة و المغادرة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع