أخر تحديث : السبت 11 يوليو 2015 - 4:49 مساءً

خراب ذاكرتي …

جمال البكاي | بتاريخ 11 يوليو, 2015 | قراءة

jamal_bekkai

في تلك الأحياء حيث يختمر الهواء بأنفاس الجريمة و يرقص الفقر رقصة المنتصر.. اكتريت بيتا كي أحمي نفسي من لسعات برد كانون الثاني التي بدأت تدق أوتادها على مدينة البوغاز .. كنت آنذاك قد تخلصت توا من فكرة الهجرة السرية و استحوذت على خالدي هواجس البحث عن عمل كيفما كان نوعه … أول ليلة قضيتها في مأواي الجديد لم أستطع النوم بسبب تعالى أصوات السكارى المقيمين بجواري و الممزوجة بمواء القطط التي قضت مضجعي …. في الصباح خرجت باكرا بعينين شبه مغمضتين و أنا اتثائب قاصدا ذلك المطعم الذي يتواضع للفقراء و المهمشين أمثالي ويقدم لهم ما يسدون به أمعائهم الفارغة … بعدما تناولت وجبتي قصدت أوراش البناء كي أستفسر عن عمل أنقذ به نفسي من براثين البطالة … قضيت اليوم طوله أتجول هنا وهناك دون جدوى … ففي كل مرة كان الرفض هو الجواب … رجعت مساءا لذلك الحي أحنيت رأسي وأنا أدخله مخافة أن تقع عيني في عين أولئك البشر الملازمين لزوايا الأزقة و الذين تحلوا لآلة يتعطل نشاطها إن لم يستعملوا المخدرات … تسلقت الدرج في ظلمة حالكة و السبب أن أحدهم سرق المصباح الذي ينيره ، وقبل أن أصل للبيت الذي أقطنه سمعت إحداهن تسب بصوت مرتفع وتتوعد من سرق ملابسها من سطح البناية بالويلات .. قلت لها في نفسي وأنا أمر قربها اذهبي لأقرب جوطية وستجدينهم هناك .. تجاهلت عويلها وتقدمت نحو الباب فتحته … ودون أن انزع حدائي ألقيت بجثتي فوق ذلك الفراش المنزوي ثم نمت … حوالي الساعة الثالثة و النصف صباحا استيقظت مفزوعا من أصوات السكارى ونباح الكلاب الضالة .. نهضت من فراشي ثم شربت قرص أسبرو ووضعت رأسي على الوسادة لعلي أنام … مرت الأيام رتيبة ثقيلة .. وما زاد من قسوة الوضع هو نفاذ النقود التي كانت بحوزتي …
ذات يوم وفي خضم تلك الأجواء المتشنجة ابتسم لي الحظ فقد عثرت عن عمل في إحدى أوراش البناء … كان دوري يقتصر في أن أقوم بغربلة الرمال تارة وتارة أخرى أن أحمل أكياس الإسمنت و الآجور للطابق الثاني … في الأيام الأولى تورمت أصابعي ولم أعد قادرا على جمع قبضة يدي .. لكن مع مرور الأيام تعودت على العمل و استأنست مع وضعي الجديد …
في أحد الأيام فاجأني مشغلي بأنه سيستغني عن خدماتي … قدم لي أجرتي ثم خرجت من المنزل بعدما نصحني أن أكمل دراستي التي كنت قد انقطعت عنها… توجهت للبيت وارتميت على الفراش المتهرئ ثم بدأت أفكر فيما سأفعله … مع بزوغ فجر اليوم الموالي .. بدأت رحلة البحث عن عمل آخر… لتبدأ معها أحداثا جديدة تعلمت منها الكثير…
في أحد الأيام فكرت أن أشتغل في التجارة .. لملمت أغراضي وتوجهت لمدينتي… اشتريت سلعة بالنقود التي كنت قد وفرتها ثم ذهبت لشارع سيدي بواحمد وبدأت أعرض بضاعتي على الرصيف … من هنا انطلقت معانات جديدة مع السلطات العمومية التي كانت في كل مرة تطردني وتهددني بأنها ستصادر بضاعتي بسبب احتلالي للملك العمومي … مللت لعبة المطاردة مع رجال القوات المساعدة لذا اعتزلت التجارة … وفي خضم الفراغ الذي أصبحت أعيشه طوقتني فكرة الهجرة السرية من جديد .. حملت نفسي و اتجهت لمدينة البوغاز وكلي أمل في هجرة هذا الوطن الجميل … مقتطف من مذكراتي – أوراق الخريف –

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع