أخر تحديث : الخميس 23 يوليو 2015 - 6:25 صباحًا

الرأس المقطوعة…

ادريس حيدر | بتاريخ 23 يوليو, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_idriss_haydar

كنا خمسة أطفال ، نسكن بنفس الحي ، و تبعد منازلنا عن المدرسة بمسافة ليست بالقصيرة.
و جرت العادة في كل صباح، أن يمر الواحد منا على منزل الأخر، لنذهب جميعا إلى المدرسة.
و كان منزلنا أخر منزل يمر به الأصدقاء، و أكون بذلك اخر الملتحقين بهم .
كان الزمان ، إحدى صباحات يناير، البرد قارس جدا…و الضباب كثيف…و المطر يسقط رذاذا.
كنا قد تعودنا أن نصحب بعضنا البعض مخافة مخاطرالطريق، خاصة و أن المدرسة بعيدة عن منازلنا و كذلك لنتجاذب أطراف الحديث ، و لكي لا نشعر بالرتابة و الملل.
كنا ، عادة، ما نتوقف لنتبول بجانب خط السكة الحديدية الذي يمر وسط المدينة،
كان يرافقنا ذاك الصباح الطفل المسمى : عبد القادر الهواوي، و الذي اشتهر بين الأطفال بكنيته : ” الجن”.
ولعل هذه الكنية أطلقت عليه ربما لصغر حجمه، و خفة حركاته، و دهائه الباهر ، و قوة ملاحظته وشقاوته…
وبينما نحن سائرون في اتجاهنا المعتاد، فإذا ب” الجن” يتخلف وراءنا كما هي عادته بحثا عن شيء غير معروف، لكنه كان متأكدا من أنه عاثر عليه.
و هكذا بدأ يتبول، و بعد لحظات ، صاح بأعلى صوته:
“…تعالوا…رأس مقطوعة…رأس مقطوعة…رأس مقطوعة…”.
لم يعر أحد منا اهتماما لصياحه، لكونه كان كثير المزاح و المقالب…لكن هذه المرة أحسسنا جميعا أن صوته كان يحمل نبرة صادقة.
رجعنا إلى حيث كان يقف الطفل : الهواوي عبد القادر، وكانت المفاجأة كبيرة و مهولة: رأس طفل مقطوعة.
كانت هذه الرأس الصغيرة مبللة و عينه اليسرى مفقوءة ، بعض الدم في أذنه اليسرى، و لون بشرته أزرق…
بدأنا نصيح، وفي حالة هستيرية، نصيح و نصيح بأعلى أصواتنا:
” رأس “الدري” مقطوعة…”الدري “ميت…الدري مقتول…”
أصبنا بهلع كبير، و بدأنا نركض في كل الاتجاهات، إلا أن الطفل المكنى ” الجن” جرى في اتجاه ثكنة القوات المساعدة القريبة من خط السكة الحديدية.
و بعد برهة رافقه رجلان من القوات المساعدة، و بعد مشاهدتهما للرأس المقطوعة، بدءا بدورهما يركضان في الاتجاه الذي أتيا منه. و لم يمر إلا وقت يسير، حتى حلت بعين المكان تعزيزات أمنية.
………..
بعد هذا الحادث ، غمرت المياه الحي المقابل لخط السكة الحديدية، و ذلك بسبب الأمطار التي سقطت بغزارة، و أصبح سكان الحي يتنقلون بواسطة القوارب.
و بعد مرور يوم واحد من اكتشافناالرأس المقطوعة، وفي طريق عودتنا من المدرسة إلى منازلنا. أثار انتباهنا وقوف الاف من ساكنة المدينة تشرئب بأعناقها نحو الحي المغمور بالمياه، حيث كان هناك قارب يتنقل ببطء و به سيدة برفقة رجال الأمن و هي تلبس اللباس التقليدي للمنطقة ” الحايك”، و هي تدلهم بواسطة إشارات بيدها إلى الأماكن التي دفنت فيها بقايا جثة الطفل.
انتشر الخبر في المدينة كالنار في الهشيم. و تناقلت الألسن روايات متعددة لأسباب قتل تلك السيدة ذات اللباس التقليدي للطفل وتمثيلهابجثته .
و الحكاية التي تداولها الناس أكثر، هي أن هذه السيدة كانت عاقرا ، وأنها تخاصمت مع أم الضحية ، و أن هذه الأخيرة عيرتها بعدم الإنجاب، فقررت القاتلة الانتقام منها ، و ذلك بقتل وحيد جارتها و التمثيل بجثته.
£. £. £. £. £
ونحن عائدون من مدرستنا البعيدة كما هي العادة إلى منازلنا، لاحظت أن أصدقائي كبروا و تكرشوا، و ابيض شعر رؤوسهم.
توقفنا جميعا للتبول بالقرب من خط السكة الحديدية، فإذا بتلك الرأس المقطوعة تستدير، و المفاجأة كانت مذهلة، هذه المرة.
إنها رأس الطفل : الهواوي عبد القادر”الجن”، فتح فمه و نطق بصوت خشن:
” اتركوني لحالي… اتركوني أرتاح…انصرفوا…أكرهكم!”
بدأت أصيح بجنون: رأس عبد القادر مقطوعة…قتلوا ” الجن” و جزوا رأسه… قتلوه”
أمي المسكينة ترتجف ، و كوب ماء بيدها ، تهدئني:
” استيقظ يا بني … إنك تحلم…لا شك أنه حلم مزعج كثيرا”.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع