أخر تحديث : الأربعاء 29 يوليو 2015 - 12:39 صباحًا

نعيمة

إدريس حيدر | بتاريخ 29 يوليو, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_idriss_haydar

كانت ” نعيمة” تلميذة بالثانوية، حيث كنت أتابع دراستي.
بهية الطلعة، مليحة الوجه، قسماته متناسقة، مبسمها جميل.
هيفاء القوام، تمشي بخطوات ثابتة و بثقة عالية في النفس، و كأنها مقبلة على عمل هام.
كانت في المجمل، مثيرة للانتباه و جذابة، حركاتها مليئة بالأنوثة و خاصة عندما تنط و تخطو برجلها اليسرى، خطوة إلى الأمام ثم سرعان ما تعودبه إلى مكان انطلاقه.
كان تلاميذ المؤسسة، يتهامسون فيما بينهم، كلما مرت بجانبهم.
عند ممارستها، لحصص الرياضة في ساحة المدرسة، كانت تلبس سروالا قصيرا (شورت) و قميص رياضي قصير بخلاف باقي الفتيات اللائي كن يلبسن سراويل طويلة و معاطف رياضية.
كانت منفتحة على الجميع، لا تهاب أحدا، تتمتع بثقة عاليةفي مقدراتها، و بنضج لا تخطئه العين.
لم تكن ” نعيمة” ، تلميذة مجتهدة، حسب رصفائها في القسم و الفوج، و لكنها في الان نفسه، لم تكن دون المستوى المطلوب.
و إذن ، كان الاهتمام ب” نعيمة” ، كبيرا داخل المؤسسة التعليمية و خارجها.
£. £. £. £. £
لا زلت أتذكر ذلك اليوم المشهود، و الذي خاض فيه التلاميذ إضرابا عاما في كل البلاد، احتجاجا على القرارات المتخذة من طرف وزارة التربية الوطنية، و التي كانت تضرب في العمق ، كثيرا من المكتسبات التي يتمتع بها التلاميذ.
في ذلك الصباح، كان الترقب و التوجس سيدا الموقف، حيث تجمع مأت من التلاميذ بباب الثانوية.
وفي لحظة خاطفة، خرجت ” نعيمة” من وسط تلك الجموع، محتجة و مستنكرة سياسة الحكومة في القطاع التعليمي مطالبة الجميع بخوض إضراب بطولي غير محدود، حتى تتراجع الوزارة المعنية عن قراراتها.
و فجأة شرعت في رفع الشعارات، التي كانت رائجة أنذاك ، و المعارضة لسياسة الدولة ،.
ألهبت الأجواء ، حيث ارتفعت أصوات التلاميذ منشدة أناشيد حماسية ، حالمة بغد أفضل.
لا حظت ” نعيمة” ، أن الإضراب يكاد يجهض، لكون بعض المجموعات الصغيرة من التلاميذ، تحاول إفشاله، فاهتدت إلى حيلة رمي الحجارة إلى الأعلى، لتسقط على المتجمعين.
وخوفا من الإصابة بجروح نتيجة تساقط الحجارة ، عم الرعب و الخوف وسط التلاميذ، فتفرقوا و فروا من مكان التجمع، و بذلك ، حققت ” نعيمة” ، بمساعة اخرين ، هدفها و هو نجاح الإضراب.
&. £. £. £. £
أصبحت ” نعيمة” داخل المؤسسة التعليمية ” بطلة” محبوبة، فهي قائدة ميدانية للتلاميذ، و مدافعة عن حقوقهم.
أجل، استقدمت إلى مفوضية الشرطة للتحقيق معها، لمعرفة خلفيتها السياسية، و التأكد مما إذا كانت تعمل على أجندة لجهة ما.
أخيرا ، تأكدت مصالح الأمن ، أن ” نعيمة” تلميذة عادية، و أن قيادتها للتظاهرات كانت عفوية و بدون حسابات سياسية.
عند انتهاء تلك السنة الدراسية ، اختفت” نعيمة” من المدينة و لم تعد قط للثانوية.
انتشرت إشاعات مختلفة حول اختفائها ، منها أن مصالح الأمن ، منعتها من متابعة دراستها بنفس الثانوية، و منها كذلك ، أن أسرتها انتقلت من المدينة خوفا من أن يلحق بابنتهم مكروها، و أخيرا تناقل التلاميذ خبر رحيلها بصحبة أسرتها للخارج، لأن عائلها يعمل في إحدى الدول الأروبية.
استمر التلاميذ لمدة ليست بالقصيرة ، يتذكرون ” نعيمة” ، في لقاءاتهم و يتحسرون على عدم إتمام دراستها معهم، لأنها كانت قد أصبحت رمزا لنضاليتهم و ممانعتهم.
£. £. £. £. £.
مر الزمان سريعا، و تقدم ذلك الجيل في السن ، بعض الشيء، و لم يعد من أثر يذكر ل” نعيمة”.
وفي تلك الأمسية الربيعية، و بمناسبة انعقاد إحدى المنتديات المهنية و الفكرية بمدينة ” مراكش”، بحضور ضيوف أجانب.
و بمناسبة اختتام الأشغال، كان مقررا ، إقامة حفل عشاء ، على شرف كل المشاركين ، في إحدى الإقامات المراكشية، ذات العمران المغربي الأندلسي الجميل.
و لتجري وقائع حفل العشاء، في أجواء احتفالية، كانت هناك فرقة موسيقية عصرية ، تشنف أسماع الحاضرين بأنغام موسيقية شرقية و مغربية رائعة. و كانت ترافق هذه الجوقة و هذه الأنغام الشجية ، راقصة انجذب إليها كل الحاضرين.
كانت الأجواء رائعة، مشحونة بالعواطف و المجاملات، وسط معمار مغربي بديع بنقشه على الخشب و الجبص، و ألوانه الطبيعية الجذابة و أثاثه الذي هو الأخر ، لم يكن يخلو من ذوق رفيع و راق.
لم أنتبه لتلك الراقصة، التي كانت تلبس لباسا أزرقا شفافا، مرصعة أطرافه بأحجار صغيرة تلمع.
اقتربت من المائدة، حيث كنت أجلس مع بعض المشاركين في الندوة، أحسست فجأة أن وجهها مألوف لدي.
و هي تحرك أردافها على إيقاع الموسيقى، و تحرك خصرها ذات اليمين و ذات الشمال، خطت خطوة برجلها اليسرى إلى الأمام ثم أرجعتها إلى نقطة انطلاقها.
تذكرت تلك الحركة، شدت انتباهي، تأملتها و تمحصتها، و كانت المفاجأة:
إنها” نعيمة” تلك الفتاة المليحة و الجذابة و قائدة إضراب ثانويتنا في تلك السنة المعلومة.
تسمرت في مكاني فوق مقعدي، وظللت مشدوها، مذهولا. و تساءلت كيف اختارت تلك الفتاة الجميلة هذه المهنة، و أنا الذي اعتقدت لفترة و كذلك أصدقائي، أنها ربما تابعت دراستها في أحسن الجامعات الأروبية، و تمتهن مهنة رفيعة.
تناسلت أسئلة كثيرة في خلدي، و لم أجد لها جوابا.
وبعد أن أنهت ” نعيمة” عرضها، و غيرت ملابسها، التحقت بالقاعة، حيث كان المشاركون في الندوة يتناولون العشاء.
اغتنمت فرصة اختلائها لوحدها في إحدى الموائد، و قدمت لها نفسي، مذكرا إياها بالحدث الذي ظل موشوما بذاكرة تلاميذ تلك المؤسسة التعليمية.
اندهشت، امتقع لون وجهها و كساه الحزن، و لاحظت أنها لا زالت جميلة و جذابة كما عهدتها.طأطأت رأسها للحظة، و سكتت لبرهة، ثم رفعته و دموعها فوق خديها.
لم تنبس بكلمة، حدجتني بنظرة مليئة بالحسرة و الألم و الأسى.
انتفضت من مكانها، وقفت ، تأملتني، ثم انسحبت مهرولة إلى جهة ما.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع