أخر تحديث : الثلاثاء 4 أغسطس 2015 - 9:12 صباحًا

استغاثة

عادل البدوي | بتاريخ 4 أغسطس, 2015 | قراءة

badaoui

فجأة تحولت الوحدة التي لطالما كانت ملاذا لروحه المعذبة إلى حبل مشنقة يلتف حول عنقه، و ألفى نفسه واقعا في الشرك الذي نصبه بنفسه لنفسه، كان كمن رماه البحر إلى ظهر جزيرة مهجورة، فكتب:
-أنا وحيد و أبحث عن الحب… أرجوك أنقذيني!
و بدل أن يضع الرسالة في قنينة فارغة و يرميها في المحيط، أرسلها عشوائيا عبر الهانف لعدد كبير من الأرقام، و وسط طوفان الردود الغاضبة و الساخرة و المهددة استطاع تمييز رد مختلف:
-مرحبا.. أنا سلوى، كنت أنتظرك!
و توالت الرسائل ليعرف أن سلوى معلمة في منطقة نائية، تعشق صوت فيروز و ضربات مضرب نادال! و تكره مديرها و بداية شهر شتنبر، و تحلم بالعودة للقرن الواحد و العشرين عبر زواج يخرجها من القرون الوسطى. و ليخبرها أنه “كريم” مهندس -صيغة المبالغة لتقني- في شركة كبيرة بعروس الشمال، يحب الهدوء و صوت فيروز، و يكره كرة القدم و صوت بائعي “جافيل”، يحلم ببناء أسرة أساسها التفاهم و المشاركة -خصوصا المادية-. و لم تمض أيام حتى صارحها بحبه، أجابت في استنكار:
-قبل أن تراني؟
أجابها في نشوة:
-و “التيليفون” يعشق قبل العين أحيانا.
و عندما التقاها لأول مرة في مدينة “محايدة” بدل جهدا كبير ل”مطابقة” صورتها في مخيلته مع شكلها الحقيقي، بينما لم تستطع هي “هضمه” لأنه كان قد أعطاها تلميحا بأنه جورج كلوني بأخلاق غاندي و غنى الوليد بن طلال و حكمة لقمان. و ما إن عاد لطنجة حتى انهات عليه الرسائل:
-لماذا لم تخبرني أنك أصلع؟
-لم أتصور أن تكون أقصر مني؟
-كاين شي واحد كيمشي للقاء محبوبته لابس صندالة؟
غضب قليلا فأسرعت إلى إرضائه، و أخبرته أنه عندها بالدنيا “رغم” شكله.
حددا موعدا للخطبة، و اتفقا على كل شيء، لون “المطالق”، سعة الثلاجة، مقاس السرير، لون بذلته في العرس، لكنها تحججت بموت عمها لتغيير الموعد، و بانشغال والدها في البناء لطلب تأجيل جديد، أخبرها أنه اشتاق إليها، فطلبت منه “اللقاء” عبر برامج الدردشة صوتا و صورة، لكنه كان لا يزال يعيش عصر “الجاهلية” المعلوماتية، فقرر أن يفاجئها، فدخل دورة تعلم فيها تقنيات “الشاط”، و استطاع استدراج حبيبته ليعرف الاسم الذي تدخل به، ثم بحث عنها فوجدها. أرسل لها:
-يا هلا!
أجابته:
-أهلين!
-خالد من الإمارات.
-سوسو من المغرب.
-يا هلا يا هلا. مرتبطة عزيزتي؟
-أبدا.
-أنت عجبتيني وايد!
تسلم يا غالي. ما تفكر تزورنا؟
-أكيد! تراني أحب المغرب و أهل المغرب و بنات المغرب.
-مبغسي!
-ممكن تفتحي الكام؟
-طبعا طبعا!
فرأى سلوى أخرى غير تلك التي التقاها، كان ضاحكة متألقة تتصرف بغنج و دلال.
سألته:
-ممكن تفتح إنت كمان؟
-تكرمي حبيبتي!
و ما إن لاحت لها صورته حتى عادت لعبوسها و قالت:
-أنت كذاب! ألم تقل أنك جاهل في المعلوميات؟
أحس بقهر شديد و هو يرى عالمه ينهار من حوله، و لم يجد سوى ابتسامة شاردة يودعها بها، تمنى لو أنها استعطفته أو اعتذرت منه، فقد كان مستعدا أن يسامحها، لكن تجاهلها له أجبره على العودة إلى “جزيرته” المهجورة، و قد مرت فترة قبل أن يبدأ بارسال طلبات الاستغاثة من جديد، عبر الأنترنيت هذه المرة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع