أخر تحديث : الثلاثاء 18 أغسطس 2015 - 5:01 مساءً

سائق سيارة الأجرة

جملية البوطي | بتاريخ 18 أغسطس, 2015 | قراءة

11855617_951592

حينما افحمني سائق سيارة الاجرة ذات يوم حتى ابكمني و من ثم ابكاني .
اقترب العيد و لم يبق على قدومه الا ليلتان …حزمت حقائبي و عزمت الرحيل الى القصر الكبير رغم نصح امي لي بالعُدُولٌ عن الفكرة لان زوجي و عَضُدِي كان غائبا… و ما زاد من صعوبة السفر وحدي مع بناتي ازمة الزحمة التي كانت تعرفها قطارات بلادنا في ذالك الحين .
و رغم ذالك قررت ان اقضي العيد بين والدي و انا اردد مقولتي اللازمة” العيد هو امي و ابي ما داما على قيد الحياة ..”
جاء الموعد و ركبنا القطار قبيل اذان المغرب و تناولنا و نحن على مثنه الفطور و مر كل شيئ بسلاسة حتى اني لم اعر اهتماما لتاخره عن موعد الوصول في الوقت المحدد مخلفا هلعا شديدا عند امي …لكن كل شيئ يهون مقابل ان افرح بالعيد بالقرب من والدي و اختي بالقصر الكبير “و نعمر عليهم الدار بعد ان اصبحت تقريبا خاوية على عروشها ” …
قضينا العيد و غداة اليوم الثاني منه بدات بتحضير نفسي للعودة لان ضرورة التحاق بناتي بالمدرسة كان هو الحاسم و لهذا كان لازما و لابد من تحمل اعباء السفر في جو اقل ما يمكن ان يقال عنه ‘الجحيم ” فالاكتظاظ و انعدام القدرة على الحصول على مقعد للجلوس و خاصة اني كنت احمل ابنتي الصغيرة بين يدي خائفة من ان يدهسها احد بحقائبه او حتى بقدميه جعل من ذالك السفر قطعة من جهنم بكل ما تحمله الكلمة من معنى …

جملية البوطي

جملية البوطي

ثم جاء الصوت الذي ينبؤ بموعد اقترابي من القنيطرة بردا و سلاما على قلبي …نزلنا من القطار بشق الانفس وكنت اشدد على ابنتي الكبرى لاتخاد الاحتياطات اللازمة بالشد على يدي اختها بدون رحمة او شفقة على اساس اني ساتكلف بالحقائب و اختها الصغيرة مرددة “شوف يا نزلو كاملين يا نبقاو كاملين” …
خرجنا من القطار و احسست كما لو اني عشت مخاضا من نوع اخر ما دامت بناتي خرجن سالمات من ذالك الخندق المظلم …
امعنت النظر جيدا في المحطة فتبين لي اني نزلت في المكان الخطا و البعيد عن مقصدي و فقد كان من المستحسن في حالتي التوقف عند المحطة الموالية و القريبة من وسط المدينة و من هدفي …
احسست باني في ورطة و خاصة و ان حملي كان ثقيلا و الاتوبيس بعيدا جدا عن نقطة تواجدي ناهيك عن انه لن يقبل اي تاكسي صغير بحملنا لان عددنا اربعة و يفوق العدد المسموح بركوبه كما اني كنت رافضة لفكرة ركوب ابنتاي الكبريتين وحدهما مع سائق الاجرة فهما كانتا لا تزالان صغيرتين و لم تركبا مرة واحدة في حياتهما تاكسي صغيرا او كبيرا …
فكرت جيدا و اخيرا قررت ان اذهب الى محطة الاوتوبيس رغم كل شيئ طالبة من بناتي ان يسهلن علي المامورية بالتناوب على حمل الصغيرة رواء …اذعنا لقراري غير راضيات او متحمسات بفعل التعب و الحرارة فمررنا بمحاذاة سائقي سيارات الاجرة الذين كان اغلبهم عندما يتاكد من عددنا يوشح بوجهه و يولي اهتمامه بزبون اخر …لكن و ما ان هممت بقطع الشارع حتى سمعت احدهم يناديني ” “مَدَامْ آخْتِي آجِيوْ تْرْكْبو و مَيْكُون غِير الْخِير …”
كان صوته عتقا لي و جاء على شكل ذالك الحبل الذي يلتف عليه الغريق فيتشبث به …فطرحت الحقائب ارضا من شدة الارهاق و حمدت الله …
كان رجلا في العَقْد الخامس من عمره نحيفا جدا و قصير القامة بحيت عندما التفت اليه عند اول وهلة خلته شابا لا يتجاوز العشرين …حمل كل اشيائي و رتبها بعناية و انطلقت السيارة …
كان السائق لبقا جدا فقد بارك لنا قدوم العيد وبدا يتحدث الينا بين الفينة و الاخرى لانه لاحظ صمتنا الرهيب الا انه صمت هو الاخر عندما لم نبد اية رغبة في مواصلة الحديث ….
فجاة اخذت السيارة منحى مغايرا جديدا و غريبا في نفس الوقت فانا لم اذهب في تلك الشوارع يوما و لم تصل سيارتنا الى تلك الدروب قط ….
بدا الشك و الخوف يتسللان الى قلبي الذي بدا يدق بسرعة اذكر اني نظرت الى ابنتي الكبرى فاذا بي اجدها صفراء من الخوف فتاكدت من ان الطريق غريبة مما اوحى الي باننا في مازق شديد ….غيرت وتيرة لهجتي مع السائق رغم اني احتفظت بادبي معه طالبة من منه بحزم ان يتوقف هاترة بعبارات فرضها الرعب علي …
” وْقَفْ هْنَايَ اسيدي انا عُمّرْ راجلي مَاجَابْنِي فْهَادْ الطْريق صَافي ا شْريفْ انا بالطونوبيلة دْيالي و كَنْعرفْ الطْريقْ ….انا عائلتي كلها عندها الطونوبيلات غادي نتصل بيهم يوصلونا غير انا عندي النْفس عَوْجة و نستاهل هَادْ تَمَارَة …وقف الله يخَلِّيكْ دَاباَ…”
كنت اتصور نفسي ادفع ببناتي خارج العربة و ارمي نفسي خلفهن و تصورت للحظة ان حياتي و حياة بناتي ضاعت و انهارت و فجاة توقف السائق ليضع حدا لمخاوفي :
” آ لالَة نْعلِي الشِّيطان انا رَاهْ بْقِيتِ فِيَّا و دْزتِ من قدامي و ڭلت يا رَبّْ و هذيك هي الدعوة اللي خلَّتني نهزكمْ مبغيتكش تْمَحْني و انت عندك الدْريِّة صغيرة راه بدلت الطريق حيت انت مشفتيش البوليسي اللِّي حَطّْ علي من البعد و بغى يوقفني انا و الله العظيم الى حَنِّيتْ من جِهْتك وْ خْلاَصْ …”
سكت و لم انبس ببنت شفة و فوضت امري الى الله ….
اكملنا الطريق و وصلنا ….مددت اليه بالنقود فاراد الرجل ان يرجع الي الباقي فرفضت و انا خجلة من نفسي قائلة له ” انا اللي خصني نخلصك على التسخسيخة و سوء النية فيك سمحلي ا سيدي الله يرحم والديك راني أم و مَبْقينا كنسمعو غير ما يخلع …”
ابتسم في وجهي و قال ” آ بنتي و الله العظيم راه دِيكْ يا رَبّْ اللي ڭلتيها هي اللّي خَلَّتني نْعاونك رْبيِّ مكيتخلى على حد …”
دخلت الى منزلي رميت الحقائب و التعب و الخوف و نزلت دمعات ساخنة من عيني …ادرت الهاتف و اخبرت امي باننا وصلنا بالف خير و ان رحلتي كانت مريحة فلا جدوى من ان احملها همي و هي امي الحبيبة . و من ثم اخترت عوض ان ارتاح ان ادخل الى “السكايب “و اتحدث الى زوجي البعيد لاروي له ما حصل لي لاني كنت ارغب في ان اريح كاهلي…اتممت روايتي فرد علي ضاحكا ” انت من ترغبين في قضاء العيد في القصر الكبير تحملي التبعات اذن ..”
تذكرت يوما ان احدهم حذره من مغبة الزواج من البنات المنحدرات من الشمال لانهن عادة مرتبطات بابائهن بشكل مرضي حسب قوله ….
مسكين اكيد ان هذا الناصح الغافل لم يقل له انه ان كان العيد عند بعضهم هو الهلال انا الهلال عندي هو وجه ابي و امي …..

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع