أخر تحديث : الإثنين 24 أغسطس 2015 - 12:58 صباحًا

العائد

عادل البدوي | بتاريخ 23 أغسطس, 2015 | قراءة

badaoui

  • لا يدري كيف، لكنه عاد للحياة، لفظه قبره فسارع لمغادرة مقبرة “سكنها” ثلاث سنوات كاملة، كان شبه عار إلا من بقايا كفن، و التراب يغطي شعره و جسمه، لكن الغريب أن المتواجدين القلائل في تلك الساعة المتأخرة من الليل لم يلتفتوا إليه، فالظاهر أن مشاهد عري المتشردين قد أصبحت أمرا “عاديا” في الشوارع، سارع إلى المنزل، تردد قليلا قبل طرق الباب، لو كان لديه بعض المال لعرج على الحمام و لاقتنى أي شيء يستر به عورته، لكن أهله سيتقدرون و سيتفهمون، ثم من سينتبه في هذه اللحظة الفارقة إلى أشياء تافهة كالملابس؟.
    طرق الباب برفق، لا جواب، زاد “جرعة” الطرق، دائما لا جواب، فوجد نفسه يطرقه بعنف، فجاءه صوت زوجته مستنكرا:
    -شكون! غير بشويا، غادي تهرس الباب.
    أجابها:
    -فاطمة، افتحي أنا راجلك سعيد!
    و فتح ذراعيه استعدادا “للعناق” الكبير، غير أن صوتها جاءه يقول:
    -واش عندك شي شغل أو ما عندكش؟ سير بحالك هانا غادي نوض ليك ولدي يتكرفص عليك.
    -واش حماقتي ألمرا؟ أنا راجلك رجعت، هاذي معجزة كبيرة.
    -المعجزة هو اللي غادي نفيقو ليك إذا ما مشيتيش!
    ثم نادت “شمشونها”:
    -يوسف نوض شوف هاذ الشمكار مالو.
    و عندما فتح الابن الباب ولى هاربا من الرجل المترب العاري:
    -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعود بالله من الشيطان الرجيم…
    أما الأم، فما إن تحققت من ملامح من أصبحت أرملته حتى أغمي عليها.
    بعد ساعتين كان أفراد الأسرة مجتمعين، فقد استدعي الإبن الأكبر “طارق” على عجل، و حضرت الابنة “إيمان” صحبة زوجها “كريم”، كانت الأم لا تزال في حالة سيئة و هي ترتعد، بينما دخل البقية في حالة ذهول، وحده طارق من أظهر بعضا من رباطة الجأش، فقاد والده إلى حمام المنزل و تركه يغتسل، بينما ذهب يبحث له عن شيء يلبسه، و لم ينس رش نصف قنينة عطر عليه لعلها تغطي على رائحة التراب و الموت التي تنبعث منه،
    -لماذا عدت؟
    هكذا خاطبته الزوجة، قبل أن تتابع:
    -أما يكفيك أنني عشت جارية لك مدة فاقت الأربعين سنة؟ أنا بعدك بأفضل حال! فلماذا عدت؟ ذهبت للعمرة مرتين و قد عشت دهرا أتوسلك من أجل زيارة واحدة لمولاي يعقوب و رفضت، منذ رحلت ما سبني أحد و لا رفع أحد عينه أمامي فلماذا عدت؟ لماذا..
    أجابها المسكين بقهر:
    -ياك آفطيمة؟ حسبت أنني كنت لك الزوج و الحبيب، و الأخ و الصديق، و كنت دائما تقولين أن ما يجمعنا لا يفرقه إلا الموت..
    قاطعته:
    -و قد فرقه!
    -أنت تكذبين، بكيت عند موتي بحرقة، و لبست البياض شهورا، و عند كل عيد كنت تؤدين “وصلة” بكاء تنكدين بها على البقية… لقد رأيتك.
    قالت بحزم:
    -بكيت لأن كل الأرامل يفعلن ذلك، علما أن أغلب الأزواج لا يستحقون مأتما بل فرحا يقام بعد رحيلهم..
    تدخل الإبن الأكبر طارق:
    -الحياة و الموت يا أبي لعبة، و يجب الالتزام بقواعد اللعب، أن تموت يعني أن لا تعود، ماذا لو فكر ابوك و جدك و أب جدك في العودة؟ هل سيسعهم المنزل؟ هل ستسعهم الحياة؟ ماذا ستقول لأبيك و قد بعت أرضه، و أين ستقيم أنت و قد عزمنا على بيع هذا المنزل الكبير و اقتناء شقة لأمنا بنصيبتها؟
    فتدخلت إيمان لأول مرة:
    -ماذا سيقول علينا الناس؟ أننا عائلة “ممسوسة” تنهض من القبور؟ سمحلي آبابا نقولهالك، غادي تديرلينا التبهديلة!
    قال الأب:
    -حتى أنت يا إيمان؟ كنت شمعة حياتي و روح الروح! كم أفرح عندما أرى بروفايلاتك كل جمعة تترحمين علي في الفايسبوك، و عندما تفتقدينني كل عيد -في الفايسبوك دائما-.
    ثم نطق زوج إيمان لأول مرة:
    -و ما الحل الآن؟
    قال طارق:
    -نبقيه هنا حتى يموت مرة أخرى، ثم ندفنه سرا، لست مستعدا لاقامة مأتم جديد و إعداد وثائق جديدة.
    صاحت الزوجة:
    -مستحيل أن أبقى معه تحت سقف واحد، إن عاد هو فسأغادر أنا!
    فنطق شمشون الصغير لأول مرة:
    -و ما الضامن إن مات مرة أخرى أن لا يعود من جديد؟
    فعقبت أخته:
    و لعب الدراري هذا!
    فاقترح زوج البنت اسكانه في بيت أسرته المهجور هناك في البادية البعيدة، غير أنه اعتذر عن إيصاله بسيارته، فهو لا يريد مشاكل و الأهم من هذا لا يريد أن تستوطن رائحة الموت سيارته للأبد، فدس الابن الأكبر مبلغا في جيب الأب و طلب منه الذهاب عبر الحافلة، لكنه ترجاه المغادرة حالا و تحت جنح الظلام منعا “للفضيحة”.
    في طريقه إلى المحطة عرج سعيد على المقبرة، كان قبره لا زال مفتوحا، دون كثير تفكير دخله، و استسلم للموت المريح.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع