أخر تحديث : السبت 27 سبتمبر 2014 - 10:10 مساءً

الهاتف “الثقال”

ذ. عبد الواحد الزفري | بتاريخ 27 سبتمبر, 2014 | قراءة

على طاولة المقهى نسي هاتفه النقال الذي تَعُودُ نشأته للعصور الأولى لهواتف “حمل الأثقال”؛ وزنه وزن فيل و” راداره” خرطوم طويل، شاشته العريضة غير الملونة تحيلنا على زمن تلفزتنا التي لم تكن قد خلعت بعد ثوب الحداد.
قلت للسائل عن صاحبه:
– إنه لأستاذنا الجليل “عبد الجليل”.
ناديت الأستاذ إذ رأيته يسدد للنادل ثمن “شايه”، ولما اقترب منا أثار انتباهه هاتفه الذي كان يشغل نصف مساحة المائدة أو أكثر، لما حمله رأيت عضلات ذراعه وقد فاقت التي كانت بفخض”أرنولد شوارزينيكر” تنحنح وقال:
– نسيت “محمولي”؟ ألهذا شعرت بخفة وزني ورشاقتي؟.
أجبته مازحا:
– كيف ينسى وهو بحجم طفل رضيع؟
شمر الأستاذ عبد الجليل على زهوه و تبجحه وقال:
– أرأيت إن كان لك مثله؟ فلن تحتاج لحمل السلاح، أثناء عودتك إلى المنزل ليلا، “راداره” سلاح لمن لا سيف له، أشهره وافقأ به عين الهاجم الغاشم، وإن استفاق من غيبوبته، فاعلم أن الله قد أنزل رحمته في اللحظة الأخيرة، إذا سقط هاتفي ترك حفرة بالأرض، يملأ الجيب طولا وعرضا فيحميه من أصابع اللصوص صنف (النشالين) وإذا ما سرقوه في الحين ردوه، رنينه يوقظ السكران، وإذا غنى أسكت الصبيان. لوحة أرقامه الناتئة “محكة” لهرش جميع أنحاء الجسم في الحمام، شحنة بطاريته قد تشغل محرك شاحنة، وضوؤه قد ينير الشوارع المظلمة – وما أكثرها – كما أنه أُصٌّ أزين به سطح تلفازتي، يلتقط بوضوح كل مكالمة مخاطبك و نقاشات الجالسين بعيدا عن ” الريزو”، ينقل كل “الميساجات” السارة بزغرودة جميلة، ويطلق صفارة الإسعاف آناء “ميساجات” الاحتضار.
لو كان لك مثله لما فكرت أبدا في استبداله بهاتف صغير مدلل؛ إن رفعت صوتك عليه غضب والتجأ لأحضان أم عطالته، وأضرب عن الرن وكأن الحكومة ستزيد في سن تقاعده، قطرة واحدة من عرقك، أو حتى من دمع عينك ولو كانت لفرحة عابرة، تغرقه كما حدث لسفينة”طيطانيك”، إن كان بجيبك فَتَقَهُ وانسل منه وضاع، وإن كان بمعطفك شيء من الرحابة سرق منك بسهولة، لا يعترف بأصول العشرة الطويلة ودوام الخِلِّ للخليلة، كذئب البراري يختفي عن الأنظار، وتظل تسأل عنه أهل الدار.
فلا تسخرن من هاتفي الثقال= فإنه الأقوى على كل حال.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع