أخر تحديث : الخميس 13 نوفمبر 2014 - 10:32 مساءً

المراهقة والجدار *

جمال عتو | بتاريخ 27 سبتمبر, 2014 | قراءة

كان يوم جمعة من بحر الموسم الدراسي لسنة 1981.اصطففنا مساء لندخل قسم الثالثة ثانوي فوج 4 عند الساعة الثالثة.الا ان وعكة صحية المت باستاذ مادة التاريخ حالت دون حضوره فكان علينا الانتظار الى الرابعة لدراسة مادتي العربية والتربية الاسلامية.

خرجنا فرحين لنغتنم ساعة من اللعب “والتقشاب”.فاثرنا نحن الخمسة من التلاميذ ان نمكث قرب باب الثانوية الخلفي بالقرب من التفتيشية التعليمية قبالة قوس المحلة وهو الحي الذي نشات فيه وترعرعت.الا ان صديقا الموظف الان بجماعة حضارية اقترح علينا فكرة تبنيناها جميعا بحماس بالغ وعلى عجل.الفكرة ان “نطب” الساعتين ونتجه بمحافظنا الى سينما السويقة لمشاهدة فيلم هندوي رائع من بطولة النجمين “دراميندرا” و “اميد طاباشان” الذي كنا نلقبه ب”العيال دسرطان “والرجل الشرير “الراي” ذي الملامح اليابانية “الخابون”.

كنا نتفق علنا ونجمع العدة المالية لحجز تذاكر “الخنينار”_الدرجة الثانية اسفل القاعة_ وشراء الطرطية والمسكة فلايو والزريعة.وسيجارة كازا سبور للبعض منا.لم اكن اعلم وانا اتكلم عاليا وارتب رحلة رائعة الى عالم السينما والشاشة الكبرى ورائحة الدخان المزوج بانواع العطور النسائية والظلام الدامس والاغاني الهندوية السارحة في عالم الرومانسية.لم اكن اعلم ان امرا يدبر بسرية بالغة.حتى رايت والدتي حفظها الله وهي متجهة نحونا بهرولة وعصبية ظاهرة.نظرت اليها فذهلت وضاعت مني احلام السينما عندما اخذت بيدي النحيلتين وابتعدت عن اصدقائي ووبختني كثيرا وحذرتني ان غبت عن الدراسة وذهبت الى ما اتفقنا عليه “ما غادي ياكل قدي غير الطبل”.ارتعدت فرائصي وانا انذاك ابن الستة عشرة سنة لاني اعلم علم اليقين صدق تهديدها.لكن وسط ارتباكي لم افهم حلقة مفقودة من سلسلة الاحداث وهي كيف علمت الوالدة بما نحن عليه عازمون الا عندما قفلت راجعة شكرت رجلا كان يجلس بجانب بائع” العسولة” عند القوس قائلة:” الله يرحم الوالدين اسيدي”. في حين نظر الي الرجل وشبك يديه في نشوة ظاهرة كانها تعبير عن شماتة.فعلمت انه الذي قام بدور الاستخبارات العامة.وانه يقطن بحي السلالين وخبر عن قرب بعزمي على التغيب فطار الى منزلنا القريب واخبر امي على عجل في مهمة مقدسة.

ارجع الي امين المال “بساسطي” وواساني الاصدقاء في مصيبتي واتجهوا جميعا الى سينما السويقة.فيما بقيت احمل حقدا وغلا دفينا اتجاه الرجل البركاك.
في صباح الغد دخلت القسم بدون مساءلة طبعا.فيما طلب استاذ المادة الاولى من المتغيبين ورقة الدخول من الحراسة العامة.ليتفرغ الاصدقاء الاربعة عند الاستراحة للحديث بالتناوب عما دار في امسية السينما.هذا يتكلم عن البطل وفتوحاته وذاك يطنب عن البطلة الفاتنة وهيامها.فيما يقص الاخر اللحظات الجميلة التي مرت كحلم عابر في ظلام سرمدي.وانا انصت باهتمام واتتبع الحديث بشغف ومن حين لاخر يظهر في مخيلتي وجه ذاك الرجل الذي حرمني المتعة فادعو عليه جهرة من صميم القلب وسط قهقهات الاصدقاء.

كبرنا وترجلنا في الحياة.فعلمت ان ذلك الرجل لم يكن شريرا كما كنت اتصوره في مرحلة المراهقة.وانما هو شخص قام بدور الرقابة المقدسة.الرقابة العفوية الصافية الطاهرة.

ببساطة فطرية كان الناس في مؤسسة الحي يتناوبون على ادوار التربية والنصح والتوجيه بدون حسابات ولا عقد ولا حساسيات ولا حتى ترتيبات مسبقة.

هذا الرجل الشريف لم اعد اراه منذ نهاية التسعينات.
فان كان ما يزال حيا يرزق فاللهم جازيه عنا خير الجزاء وبارك في حياته.
وان كان قد مات فاللهم ارحمه واسكنه فسيح جناتك.

* من ذكريات الثانوية المحمدية موسم 1981-1982

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع