أخر تحديث : الخميس 13 نوفمبر 2014 - 10:33 مساءً

الخيول تنام واقفة

جمال عتو | بتاريخ 8 أكتوبر, 2014 | قراءة

عندما اخبرت ليلى بموعد مناقشتها لاطروحتها اخذت ترتب لهذا اليوم العظيم في حياتها بدعوة اصدقاءها ومعارفها للحضور مشاركة منهم بتخرجها وفرحها.كانت تود لو تطوى الايام طيا لتكون وجها لوجه امام لحظات يتمناها كل اب وام وهما يتفحصان كل حركة من فلذة كبدهما يقف مزهوا على المنصة يشرح ويجيب على تساؤلات لجنة المناقشة.
لم يعكر صفو فرحها الازلي سوى مرض والدتها الذي اقعدها اياما طوالا.كانت ليلى تدعو الله
سرا وجهرا في سجودها ان تكتمل الفرحة بشفاء الوالدة وعدم حرمانها بطلعتها وهي جالسة بجانب والدها في قاعة المناقشة.
بعدما تناول ليلى امها نظام الدواء تفتح حاسوبها المحمول لتراجع فصول الاطروحة ثم ما تلبث ان تنظر بتمعن عميق الى صورة والدتها باطارها المذهب المثبتة بعناية فوق خزانتها الخشبية.فتردد دعاء خفيا ممزوجا باحساس جميل دفين.
اخذت وطاة المرض تخف قليلا عن العليلة فاخذ الامل ينتعش ويزداد في نفس ليلى.حتى صارت تستطيع القيام من فراشها بصعوبة وسط تصفيقات الابنة المدللة وضحكاتها المشجعة.
حل اليوم العظيم فرحلت الاسرة باكملها والاقارب والاصدقاء الى المكان المشهود.
امتلا مدرج القاعة عن اخره.واحتبست الانفاس وساد الصمت المطبق بعد اعلان المسير والمشرف عن افتتاح جلسة المناقشة.
كانت ليلى نجمة الحدث بامتياز.فقد ظهر للعيان من اول وهلة انها واثقة من نفسها متمكنة من قدراتها اللغوية والمعرفية وهي تسرد مدخل الاطروحة وفصولها والمراجع المعتمدة كما تتلو بثبات الدواعي والاسباب والمنطلقات والاهداف والخلاصات.
كانت امها في سمت ملائكي تليها في نجوميتها فقد توسطت_ بجانب زوجها_ جمهور الحاضرين بجلبابها الرمادي وشالها الابيض الرقراق في يدها مسبحة وهي تدعو الله بتوفيق ابنتها وتسديد خطواتها وتغالب دموعا عنيدة متمردة.
مرت الجلسة اكثر واحسن مما كانت تتصور ليلى.وبعد المداولة اعلنت اللجنة على لسان مقررها تفوق الباحثة الدكتورة وحصولها على شهادة بميزة مشرف جدا مع توصية بطبع الاطروحة.
وقف الحاضرون مصفقين ومهنئين.فيما انحنت امها شاكرة لله وقد غطت وجهها بمنديل لتهدي دموعها الى عنوان بيت مقصود في سرية فلاذية.
لم ياخذ ليلى شرود الفرح والابتهاج ونشوة التوفيق ماخذا حتى يحول دون مشاهدة امها على تلك الحالة.فقد كانت تبادل المهنئين حسن جميلهم ثم ما تلبث ان تشرئب نحو تلك الانسانة المؤمنة الطيبة.عزمت اول الامر ان تنزل من المنصة لتحتضنها ولكن فضلت موقفا اكثر من ذلك تعبيرا واعترافا. فطلبت من رئيس الجلسة قبل قيام اللجنة ان تدلي بشهادة فاشار اليها بالقبول .وقفت ليلى قرب منصة ثابتة واخذت مكبر الصوت قائلة:
_”بسم الله الرحمان الرحيم. يقول الله عز وجل “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”. اني اتقدم مرة اخرى بالشكر الوفير لاعضاء اللجنة المحترمين رئيسا ومشرفا ومقررا واعضاء.واشكر كل من ساهم في انجاح هذا اليوم العظيم الذي سيبقى في الذاكرة ما حييت.واحيي كل الحضور من معارف واصدقاء وجيران الذين اعتبر حضورهم رغم مشاق التنقل عربون وفاء وفضل. ايها الحضور الكريم لا يسعني الا ان ان انحني احتراما واجلالا لوالدي حفظه الله الذي ضحى بالغالي والنفيس في سبيل هذه اللحظات المؤثرة.واعطى المثال الحي لانسان يعشق العلم والمعرفة بفسح المجال وتهييئه لدراستي في افضل الاحوال.
اما انت ياامي يا زهرة حياتي ويا نبراس الهامي.ايتها الانسانة الطيبة الصبورة فقد يعجز اللسان عن التعبير في حقك مهما قلته في حقك.دعيني اقبل كل جزء من جسدك الطاهر ودعيني انحني لاقبل مخمص قدميك على ما قدمته لانسانة لم يلدها رحمك ولم ترضعها ثدياك.ولكن سبحان من اودع فيك رحمة لا تنضب.اني اتذكر الان وانا في لحظات حصاد وثمار.اتذكر يوم حللت بدارنا زوجة لابي بعدما رحلت امي الى دار البقاء وانا طفلة ابنة الثامنة والنصف من العمر.عندما عانقتني وقلت بالحرف:” لا تقلقي يا ابنتي ليلى .فلن تشعري بفراغ امك ابدا.انني مؤمنة بقضاء الله وقدره من الان فانا والدتك امينة”.
ثم اردفت ليلى وقد دخلت في نوبة من البكاء:_” لم اكن لاصدق انذاك ما تقولين .ما صدقته اني اصبحت يتيمة امام زوجة اب غريبة وغد مجهول. خاب ظني وهزم حدسي وكنت انت صادقة الاحساس والفعل.فوفيت الوعد احسن وفاء وصهرت الليالي وتسلقت الصعاب حتى وصلت الى ما وصلت اليه اليوم.فليس لي من الجزاء العميم الا دعائي لك بالجنة يا اعظم ام في الوجود …….”. فتوقفت عن الكلام مجبرة بحجرجة في الحلق وقد غلبها النحيب.
بكى من حضر بالقاعة وخشعت الافئدة.وقام عضو باللجنة منسحبا وقد تبلل وجههه فلم يقو على المكوث منحنيا.
كان يوما مشهودا بكل المقاييس.
عندما عاد الكل الى حال سبيله وخلدت الاسرة الى الراحة بعد يوم استثنائي.جلست ليلى في ساعة متاخرة تنظر الى صورة امها الراحلة فخاطبتها واضعة نسخة من الاطروحة بالقرب منها فوق الخزانة:
_”امي…هذه اطروحتي لقد اصبحت دكتورة…نامي نومة العروس…فلم يكن الاله مخيبا سعي ابنة الشهيدة ابدا” .

انتهى_ (قصة واقعية)

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع