أخر تحديث : الثلاثاء 6 أكتوبر 2015 - 10:52 مساءً

خدوش قديمة على وجه طاولتي

حسن القشتول | بتاريخ 6 أكتوبر, 2015 | قراءة

-cole_publique_

صعد من الباب الأمامي ، ووقف خلف السائق يبحث بعينين مشعتين قلقتين عن مقعد … أطلت من فوق رؤوس الركاب يد مشيرة … تقدم خطوات متمسكا بجنبات المقاعد ووضع حقيبته في الدرج المخصص للأمتعة ، وجلس دون أن يتكلم . التفت الرجل إليه بوجه ناضر هادئ ، وهز رأسه قائلا :
ـ السلام عليكم .
فرد فورا :
ـ وعليكم السلام ، معذرة كان من الواجب أن …
ـ لا بأس يا أخي . الشرود آفة زماننا .أنا عبد الرحمان .
ـ وأنا عماد .
ـ أهلا وسهلا .
انشغل عبد الرحمان ، من خلال الزجاج المعتم ، بمشاهدة الغابة وأشجارها الجانبية الهاربة في صفوف منتظمة مما تنفثه مؤخرة الحافلة … وانكب عماد على قراءة كتاب . تلتقي أعينهما بين الفينة والأخرى ، فيتجنب كل منهما النظر في عيني الآخر .( أهكذا تستكبر القلوب وتعمق الحدود الوهمية بينها ، فتضيع كثير من فرص التحاب بين الناس ؟)
أسند عماد رأسه إلى كفه برهة ثم رفعه وتنهد ، وعبد الرحمان يتابع حركاته عن جنب .
ـ هل تشعر بتعب أسي عماد ؟
ـ دوار خفيف .
ـ منعرجات جبال الريف ، الراكب فيها كالمستبق لصراط الجحيم .
أخرج عبد الرحمان من جيبه زجاجة عطر صغيرة ومسح برأسها على كف عماد . فشم عماد كفه واسترخى . اختلس عبد الرحمان نظرة في كتاب عماد فالتقطت عيناه هذا العنوان : ( نحو ديداكتيك جديدة للغات ) ، ابتسم وهمس :
ـ نسبح في نفس البحر إذن .
تناول الكتاب ونظر في غلافه ثم مرر أوراقه بخفة وقال مداعبا:
ـ ألا يوجد لديك كتاب ديداكتيك الأخلاق ؟ أين تدرس أسي عماد ؟
وجف قلب عماد وتغيرت ملامحه ، وأطلق زفرة طافت في مخيلته على إثرها مشاهد حلم ليلة أمس : ( … مغارات مظلمة ، وسبورات ضخمة سوداء نخرة تتدلى من السقف . وركام من البشر وغير البشر بأنياب صفراء وعيون حمراء يعرك بعضهم بعضا ، وهو في وسطهم معطل الفكر ، مقبوض الصدر ، منعقد اللسان …) خرج من حلمه فتحسس بسرعة جيوب معطفه الجلدي الأسود ، وقال لعبد الرحمان :
ـ سيجارة ؟
ـ لا. شكرا.
تناول واحدة ووضعها بين شفتيه وأشعلها بمهارة ، ثم امتصها بعمق ونفث دخانها في فضاء الحافلة ، فامتدت إليه الأعناق في امتعاض ، اختطف السيجارة ووضعها تحت قدمه ، وتوجه إلى عبد الرحمان :
غدا سيكون أول غوص لي في هذا البحر ، ولست أدري هل سأخرج منه بسلام أم سوف أختنق فأغرق .
ـ مبروك يا سيدي ألست مسرورا بمنصبك ؟
ـ كمن يساق إلى الأعمال الشاقة ، أو كمن يسجن في القفص مع الوحوش ، لا أدي كيف سأتصرف مع عصابات من المراهقين المردة ؟ لا أدري هل أمتلك من المعرفة والقوة ما يمكنني من رقابهم ونواصيهم؟
ابتسم عبد الرحمان وقال متحرشا بلباقة :
ـ وماذا تعلمت في معهد التكوين ؟
أجاب كاتما انفعاله :
ـ سمعت أقوالا لاكتها ألسنة أعجمية ، وامتصت روحها ومجتها ، ولهث فضلاؤنا وراء فضلاتها وصنعوا لنا منها وصفات لعلنا نصحو بها من خدرنا ، لكنها أفقدتنا رشدنا … مدارسنا يا سيدي عبد الرحمان وما تضيق به من عفاريت وصعاليك لا يمكن أن يديرها إلا خاتم سليمان أو سيف الحجاج أو…
أدركه عبد الرحمان مبتسما :
ـ لا لا . هون عليك يا زميلي . انظر هناك ، هل ترى تلك الأشجار الخضراء ؟ ألا تعجبك استقامتها وشموخها؟ ماذا نفعل لو شب فيها حريق أو أصابها داء ؟ أو ليس علينا أن نخمد نارها بماء قلوبنا أو نطهرها بعطر أنفسنا إن أوقدها أو لوثها غيرنا في غفلة منا ؟ أو ليس هؤلاء الشباب شجيرات لم تختر منابتها بنفسها وقد أصابها ما أصابها من غير أن تختار ذلك لنفسها ، ومع ذلك فهي تقاوم زوابع الشتاء وقيظ الصيف بما تختزنه من نسيم الربيع ؟
سكت لحظة حدق خلالها في عيني عماد ثم همس في أذنه بأدب:
ـ إن الكلمة الطيبة الصادقة ، والابتسامة الحنونة ، والحزم الأبوي هي المواد السحرية التي تقع في قلوبهم موقع نسيم الربيع في الأشجار، فتؤتي أكلها وتزداد استقامة وشموخا… ألم نكن نحن أيضا شجيرات تشرئب إلى من يروي ظمأها بماء عطفه ، ويتعهد استواءها بمشذب رعايته ؟
هز عماد رأسه متظاهرا بالاقتناع و متهربا من مواصلة السماع ، وعاد يقرأ كتابه . أما عبد الرحمان فالتفت نحو النافذة يتأمل الأشجار المذعورة الهاربة…
توقفت كل العجلات عن الدوران ، فوقف عبد الرحمان ومد يده إلى عماد في مصافحة فراق أبدي أو ربما لقاء آخر ممكن .( هكذا ينفصل الكف عن الكف بعد لحظة ألفة باركتها قطرة عطر) …فرغ مقعده ففرغ قلب عماد ، وتحرك ليجلس في مكانه ويشاهد الأشجار ، فوقعت عيناه على مذكرة، فالتقطها ووقف ليطل بخفة فصدم رأسه الزجاج ، أما عبد الرحمان فكان قد اختفى.
نظر عماد في المذكرة بتوجس ، وتردد لحظة ثم فتحها ، وقرأ في الصفحة الأولى : ” بسم الله الرحمان الرحيم ” فبما نعمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك . فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ” صدق الله العظيم. عاد يتأمل الغابة ، ثم تابع قراءة مذكرة عبد الرحمان فقرأ عنوانا يتوسط الصفحة هكذا:
يوميات غير مؤرخة
أيام الشيطنة:
كانت بداية هذه الأيام بعدما مزق أبي وأمي ما كان بينهما من ميثاق ، وزج بي أبي بين جدران القسم الداخلي ليتزوج ثانية . أصبحت رقما وتحول الدلال زجرا والحنان قهرا ، فتولد في أحشائي مارد نصبني زعيما للشغب وأميرا للمراء والمجادلة. أتلذذ بمغامراتي ، وأذيق المدرسين علقم المهنة، أعاكس وأشاكس ، أكسر شوكة المتصلب ، وأكشف عورة المائع ، لا أقيم للتهديد وزنا ، ولا أعير للنصح أذنا ، ديدني التخريب والتدمير … عروقي تنتفض طاقة وعيوني تلتهب حماسة ، أغوص في أعماق كل شيء ، أبحث عما ضاع مني عن منبع ثر يطفئ غلي ، عن نسيم بارد ينعش روحي ، فلا ألقى إلا شواظا وسموما ….
يوم المحاكمة :
في هذا اليوم أوقفوني أمام أعضاء المجلس التأديبي… قال الرئيس :
ـ بلغت بك الوقاحة إلى هذه الدرجة ؟ اليوم سأقطع رأس الفتنة.
قلت في نفسي باستخفاف : بطردي ؟ هيهات …سوف تنبت للفتنة سبعة رؤوس أخرى .
توجه الرئيس إلى الآخرين قائلا:
ـ ماذا ترون يا سادة ؟ يبدو لي أن لا أمل في هذا المارد . وأرى أن الاستئصال هو العلاج المناسب .
وجم الجميع وانشغل كل واحد بحركة تافهة يبدد بها لحظة السكون والحيرة …أما أنا فصرخت في أعماقي بأعلى صوتي، ضاغطا على الزناد ، مهشما الرؤوس والأثاث : لماذا تسكتون ؟ قولوها بشجاعة . الطرد ؟ أليس كذلك؟ماذا تنتظرون؟ هيا عززوا جبهة التسكع والإجرام بضابط آخر مدجج بسلاح الجهل والنقمة…إنه تكوين لا يكلف جهدا أو مالا. اطردوني إذن واتركوا الأمانة على عاتق الشارع وحده فظهوركم تتصدع من حملها.
وقف مدرس وقال بلطف :
ـ ألتمس منكم أيها السادة أن تمنحوه فرصة أخرى.
صاحت مدرسة :
ـ وكرامتي يا أستاذ ؟
سخرت منها في نفسي مقلدا نبرتها المائعة : وكغامتـ…تي يا أستـ…از . أية كرامة تدافعين عنها أيها ال…؟ هل أنت مربية أم…؟ هذا الكساء الزجاجي القصير ، وهذه الأصباغ المتخثرة ، وهذه التسريحة الذكورية هل هي علامات الكرامة ؟؟؟ كيفما تكوني أكن . فأنا مرآتك… ونظرت في عيني الأستاذ الواقف فإذا هي تنطق بما قلته في نفسي . أجابها بلباقة :
ـ كرامتك محفوظة في أعيننا يا أستاذة . وهذا التلميذ سوف ينال ما يستحق من عقاب . ( وتوجه إلى الآخرين ) لكن ليس بالفصل النهائي يا أيها السادة ، فالبتر تشويه للجسد وقتل للروح .هلا فحصنا أولا ، وجسسنا النبض ، وسبرنا أغوار الأحلام ، وكشفنا عن مصدر الآلام ، وصنعنا بلسما مستساغا . أرى أنه من الواجب علينا أولا أن نطهر مستنقعاتنا الراكدة النتنة ونصيرها أنهارا جارية ومروجا مزهرة عطرة تجد فيها الفراشات مرتعها ؟
قاطعه أحد المدرسين في هدوء مفتعل :
ـ الإفراط في العطف إفساد يا أستاذ .
وقال ثان :
ـ يا لها من رومانسية حالمة …
وصاح ثالث منفعلا :
ـ هذا تحريض على المزيد .
وكثر اللغط والهمس واختلط الكلام ، فنقر الرئيس برأس القلم على مكتبه وقال مقاطعا الجميع :
ـ سوف أنظر في الأمر أيها السادة.
انتابني شعور بالندم والحزن والخوف … غصة في حلقي ، ودفقة حارة من الدموع تكاد تنبجس من مدمعي ، فلا يحصرها سوى كبريائي : هل ستلفظني مدرستي كما لفظني حضن أمي وأبي ؟
أيام التيه :
انفتحت أمامي خلال أيام الطرد المؤقت أبواب المقاهي ودور الملاهي ، وآفاق المخاطرة والمغامرة والسمسرة … في حلكة هذه الظلمة ، خيط فجري رفيع يضيئ لي محجة الأمل ، ويجذبني بقوة إلى مدرستي ، إنه صدى صوت ذلك المدرس أما ما دونه من الأصوات فثغاء ونهيق …
يوم موت الشيطان :
ما أخجلني اليوم ، وقد فاجأني ذلك الرجل الشامخ والظل الوارف ، وأنا متلبس ؛ أنقش على وجه طاولتي الطاهر جسد أنثى ، أحسست بجسدي كله يتفصد عرقا باردا … رضيت في قرار نفسي بضربة منه تكسر رقبتي أو بزعيق يصم أذني ، لكن هيهات أن تبطش يداه أو يعلو صوته … انفرد بي بعد الدرس ، وربت على كتفي وهو يبتسم ابتسامة عتاب ، ثم دس في يدي شيئا ، وأذن لي بالانصراف . خرجت من القاعة قابضا بشدة على الشيء ، كان ذلك الشيء قطعا نقدية ملفوفة في ورقة كتب عليه : أنت يا عبد الرحمان طاقة مهملة وموهبة مهجورة . خذ واشتر ما يلزمك وارسم ومتع أبصارنا بما يليق ببياض محجتنا من الأشكال والألوان ، واسلك من السبل ما سلك ابن لقمان .
انثغر أمام عيني ثغر الكون بابتسامة هائلة وهاجة ، وانفتحت أبواب الملكوت بجناته الخضراء ومحيطاته وسماواته الزرقاء ، وأحسست بكل ما حولي يلين ويحنو حنان الأم وهي تضمني إلى حضنها ، وشعرت بهبات عبير تنفذ إلى فؤادي وتنسف ما تبقى من شيطاني .
يوم الفوز :
تحررت هذا اليوم من رقمي ، وعانقت لأول مرة نفسي لما سمعت صوتا عاليا يهتف باسمي :
ـ جائزة أول رتبة يفوز بها التلميذ عبد الرحمان بن لقمان
ـ جائزة أحسن لوحة يفوز بها الفنان عبد الرحمان بن لقمان
أحببت حينها الكتاب والسبورة والفرشاة والألوان ، ووددت لو أصقل طاولتي بماء قلبي وأمحو منها كل خدوش الماضي .
أيام أخرى :
كتبتها في مذكرة أخرى وقعت مني ، فالمرجو ممن عثر عليها ألا يعيدها وأن يحيا أيامها .
************************************
بذل عماد جهدا في محاولة استرجاع صورة عبد الرحمان وتذكر وجهه ، لكنها تلاشت من مخيلته وتداخلت ملامحه طفلا ورجلا . لكن ذبذبات صوته وعبير عطره قد سكنا كينونته … طوى المذكرة بعناية وحاول أن يدسها في جيبه فعاقته علبة الدخان الحمراء فأخرجها ، وتذكر ( سيجارة ؟ لا . شكرا.) ونظر إليها باشمئزاز ثم وضعها تحت قدمه وسحقها بعنف . تأمل الغابة وأشجارها الهاربة مما تنفثه مؤخرة الحافلة … وسافر بذهنه بعيدا فتمثلت أمامه قاعة الدرس ، وهو يخطو أول خطوة على عتبتها ، وجموع البشر وغير البشر تكشر بأنيابها الصفراء وتحملق بعيونها الحمراء … فخفق قلبه وتوترت أعصابه ، فأتاه صوت عبد الرحمان يقول : بسم الله الرحمان الرحيم ” فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ” صدق الله العظيم . اطمأن قلبه وهدأ نبضه ، فقال بسم الله ووضع قدمه على عتبة القاعة مبتسما :
ـ السلام عليكم .
فتهللت الوجوه ، وساد المكان همس رقيق وعبير زكي ، وحفيف صفحات بيضاء على أغصان شجيرات خضراء .

ذ .حسن القشتول
شفشاون
بمناسبة انطلاق الموسم الدراسي 2015ــ2016 أهدي هذا العمل القصصي إلى كل الزميلات والزملاء الذين يؤدون رسالتهم التربوية بكل إخلاص ونبل، وأقول لهم :باسم كل التلاميذ والتلميذات أوفيكم التبجيل.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع