أخر تحديث : الإثنين 13 أكتوبر 2014 - 5:26 مساءً

لن يمـــــروا !!N o P a s a r a n !!

ذ . إدريس حيدر | بتاريخ 13 أكتوبر, 2014 | قراءة

يحكي كبار الحي أن هذا الأخير شهد فترات ذهبية، ذلك أنه كان به رواجا اقتصاديا وحركة تجارية دائبة، كما كان يتردد عليه سكان المدينة لقضاء حاجاتهم.
ولعل السبب في هذا “الازدهار” يرجع إلى كون هذا الحي كان محاذيا لثكنة القوات العسكرية الإسبانية المسماة: “Regulares”.
كانت منازل الحي بسيطة متهالكة، وآيلة للسقوط، وأغلبها مسقف بالقصدير أو القرميد.
هذه المنازل الصغيرة الواطئة، شبيهة بالمنازل الإسبانية لفترة الحرب الأهلية وما بعدها.
إنها دور وأنماط عيش تدل على أن الشعب الإسباني ومستعمراته كانا يعيشان أوقاتا صعبة.
في هذا الحي نشأت وكبرت وترعرعت، إنه حي الفقراء والبؤساء وعائلات الجند الإسبان.
***
كل مظاهر الحياة والحركة والحيوية بدأت تفتر في هذا الحي، ولم يعد كما كان.
لقد رحل الجند الإسبان وعائلاتهم إلى إسبانيا، وذلك بعد حصول المغرب على الاستقلال.
***
في سن العاشرة من عمري بدأ يحلو لي اللعب واللهو مع أصدقائي الأطفال بعيدا بعض الشيء عن المنزل.
وهكذا بدأت أكتشف بعض شخوص هذا الحي كما معالمه. فالبرغم من الكساد والفتور، إلا أن الحركة والدينامية كانت تعود كل يوم سبت.
إنه التقليد الذي كان قد تركه الإسبان، والذي كان لازال قائما تقريبا كل مساء سبت، كان يسمع في أعالي الحي، حيث خمارة “خوانيتو” “Juanito” وتابعه “خوسي إلكورو” “Jose El Curru ” صوت رخيم، بتؤدة وإتقان يصدح بأغاني عملاق الأغنية الإسبانية آنذاك “أنطونيو مولينا” “Antonio Molina”.
إنه الشاب المغربي “العيطور”
فتى وسيم، أسمر اللون، رفيع القامة، ملامح وجهه دقيقة، له شارب مقصوص بعناية مقلدا بذلك “كلارك كابل” “Clak Gable”في رائعته السينمائية: “ذهب مع الريح”.
غناؤه بصوت عال ومرتفع يعني أن “العيطور” سكران.
كان يطرب نفسه، كما سكان الحي، محاولا إقناع الجميع أنه مندمج في الحياة الإسبانية.
“العيطور” كان حمالا لدى “خوانيتو” صاحب خمارة “الحياة حلوة” “La dulce Vida” ومساعدا في بيع الخمور ونقلها من مكان إلى آخر، وحارسا أمينا للخمارة.
كان محبوبا لدى ساكنة الحي لكونه كان خدوما ومحبا للأطفال.
بجانب تلك الخمارة كانت هناك مقهى شعبية لصاحبها “دادة”.
إنها مقهى بسيطة يترددها عليها أبناء الحي المغاربة، للعب الأوراق و”الدومينو” و”البارتشي”.
كان أغلبهم يجزي الوقت مستمتعا بروائع أغاني محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، أم كلثوم…إلخ التي كانت تذاع من إذاعة “صوت العرب” من القاهرة.
ولم تكن جلسات الإمتاع والمؤانسة تكتمل دون تناولهم الشاي الأخضر وتدخينهم مادة ” الكيف”.
***
ما من متردد على هذا الحي إلا وأثارت انتباهه الخمارة المسماة “الحياة حلوة “بعمرانها، بشخوصها ومرتاديها.
ولعل مالكها “خوانيتو” استوحى اسمها من رائعة “فريدريكو فليني” “Frederico Fellinni ” السينمائية.
صاحب هذه الخمارة هو “خوانيتو” الإسباني الذي يبدو أنه كان يحب المغاربة، يتبادل الزيارات العائلية معهم، يقرضهم، يقيم لهم حفلات رأس السنة الميلادية.
وبحكم احتكاكه اليومي بالمغاربة، أصبح يتكلم بعض الكلمات بالدارجة المغربية.
إلا أن الذي كان يثير فضول ساكنة الحي هو “خوسي إلكورو”.
رجل كتوم، صبور، عملي، قليل الكلام، ومطيع ومخلص لرئيسه “خوانيتو”.
لا أحد كان يفهم سر الانسجام القائم بينهما، لأن طبائعهما مختلفة.
كان صارما، إلى درجة أن أبناء الحي كانوا يتساءلون هل إن “خوسي إلكورو” كان يضحك كباقي الناس؟ أجل لم يكن يضحك، ولكنه كان يبتسم أحيانا، لكن ابتسامته كانت حزينة.
كان الرجل يحمل أسرارا من دون شك، ولكنه لا يريد البوح بها لأحد.
***
في فصل الصيف تعود الحركة للحي، تكثر السهرات، وتطول الأماسي، ويملأ الغناء فضاء الأزقة، وتجلس ساكنة الحي أمام منازلها، مستمتعة ببعض النسائم العليلة لليالي فصل الصيف.
الأسماء التي تسمع، الأصوات التي تعلو، والصياح الذي يزداد، كل ذلك كان يختلط، كما تمتزج وتتداخل الدارجة المغربية مع اللغة الإسبانية.
إنها فعلا لحظات ممتعة.
هذا المشهد شبيه بتلك المشاهد للمدن الإيطالية القديمة والعتيقة، في إحدى أفلام “دي سيكا” “Di Sica” أو “دي سكولا” “Di Scola”.
***
كبرت بعض الشيء وأصبح شخص “إلكورو” يثير اهتمامي.
إنه شخص غريب حقا.
قسمات وجهه لم تكن متوازية ومتساوية، مما كان يترك لدي الانطباع أن أجزاء من وجهه غير مستقيمة، وكأنها مائلة.
جلد وجهه لم يكن أبيضا صافيا، كأغلب الإسبان بل يميل إلى اللون الرمادي.
شعر رأسه أسود، كثيف، لكن مقدمته المستوية فوق جبهته، وكأنها انزلقت للخلف، تاركة له جبهة عريضة تعد بالصلع مع التقدم في السن.
ظهره محدودب لذلك لقب “بإلكورو” أي الأحدب، كان يجد صعوبة في المشي.
وكان يذكرني بشخصية “كازي مودو” “Casi Mudo” في قصة “نوتردام دوباري” “Notre Dame de Paris” لصاحبها “فيكتور هيكو””Victor Hugo” ذلك الشاب المعتوه والذميم الذي كان يموت حبا في الغجرية، اللعوب “إزميرلدا””Esmiralda”.
طريقة مشيه إلى هدفه كانت توحي بأنه ذاهب ولن يعود.
***
مع مرور الوقت، اختفت مظاهر الاحتفالية في ذلك الحي، لتحل محلها الرتابة كما أن السكان لم يعودوا بتلك الحيوية المعهودة فيهم.
ظل “خوانيتو” وتابعه “خوسي إلكرو” في تلك الخمارة.
كسا الحزن محياهما لانعكاس الوضع العام الذي يعيشه الحي على الحركة وعدم الإقبال على الخمارة.
لكن ظل “خوسي إلكورو” غامضا.
كذلك لم يعد “العيطور” يشنف أسماع ساكنة الحي بأغاني “لاكوبلا” La copla إلا فيما نذر. لأن خامة صوته بدأت تضيع وصوته أصبح يتهدج.
***
التحقت برفقة مجموعة من أصدقائي بالجامعة المغربية. وكنا قد أصبحنا مطلعين على المذاهب الفكرية المختلقة، كما كنا نكثر القراءة المتنوعة، فازداد وعينا واقتنعنا بضرورة المشاركة بل الانغماس في الفعل الثقافي والسياسي، وأن نصبح فاعلين فيهما.
في هذه الأثناء انتشرت شائعة في الحي فاجأت الجميع “خوسي إلكورو” شيوعي سابق “Rojo”، قاتل بجانب الجمهوريين ضد قوات “فرانكو” الفاشية، وعند انهزام الجمهوريين وإعدام رفاقه والتنكيل بأفراد عائلته، التحق بشمال المغرب، واختبأ في بعض الدواوير، حيث عمل في مجالات مختلفة: الفلاحة، الرعي…
وفيما بعد انتقل إلى مدينتنا حيث التحق “بخوانيتو” في خمارته.
***
هذه الشائعة، دفعتنا نحن مجموعة من الأصدقاء بأن نتردد عليه قصد الاطلاع على تجربته.
أجل لقد قرأت، كما بعض من أصدقائي لكتاب كبار شاركوا في الحرب الأهلية الإسبانية كالأمريكي: “إرنست همنغواي””Ernest Himingway” والفرنسي “أندري مالرو””André Malraux”.
لكني، كنت أرغب بمعية أصدقاء لي في معرفة أسرار الشيوعيين الإسبان، ولماذا، وكيف، خسروا الحرب الأهلية؟
ثم إن رغبتنا كانت جامحة في معرفة مدى صدقية النظريات الاشتراكية التي أصبحنا نحفظ مقولاتها عن ظهر قلب.
وإذن بدأ “خوسي إلكورو” يتعود علينا، ويتعود على جلساتنا معه بما تحمله من أسئلة ومساءلات.
وشيئا فشيئا أصبح “إلكورو” يخرج من تحفظه، ويحكي ويحكي، ثم يحكي، كان كلما تذكر موقفا شهما لرفيق، أو فكرة شيوعية مضيئة، إلا ووقف ورفع نخبه عاليا تحية للرفاق الذين قضوا، أو رفع قبضة يده عاليا وشرع في ترديد نشيد الأممية الشيوعية، أو توقف ليصيح: “لن يمروا !!!” “No Pasaran”
وبالمناسبة، فهذا الشعار كانت قد رفعته القائدة الشيوعية “دولوريس إيبروري” “Dolores Ibarruri” الملقبة ب”لاباسيونارية” “la Pasionaria” في وجه القوات الفرانكوية الفاشية الزاحفة للإطاحة بالجمهوريين.
والحق أقول إن بعض ما قصه علينا “إلكورو” يعدُّ بالفعل ملاحم وبطولات أسطورية للجمهوريين الإسبان عز نظيرها.
***
كل شيء تغير في مدينتي بعد مرور الزمن.
وشهدت هذه الأخيرة هجرات متتالية منها وإليهاوتوالت مواسم الجفاف، وعرفت الحياة الاقتصادية صعوبات كثيرة.
وفي خفية من الجميع هاجر “خوانيتو” وتابعه “خوسي إلكورو” إلى إسبانيا.
وباح الأول لبعض أصدقائه المغاربة، أنه ذاهب للقاء ابنته الوحيدة التي أنجبها من خادمته “عائشة”.
***
عادت الدكتورة “ليلى” ابنة “خوانيتو” من أمها عائشة، إلى المدينة لرؤية هذه الأخيرة.
وذهبنا نحن مجموعة من الأصدقاء للقياها والاستفسار عن أحوال أبيها وتابعه.
فحكت لنا، أنه بمجرد أن وطأت قدما الصديقين أرض إسبانيا، وقع لهما ما لم يكن في الحسبان.
فقد أصيب أبوها “خوانيتو” بصدمة من خلال احتكاكه بعالمه الجديد هذا، لأنه قضى كل عمره تقريبا في المغرب.
الصدمة التي أصيب بها كانت قوية إلى درجة أنه فقد عقله، وبدأ يصيح في قلب أحد شوارع الجزيرة الخضراء: “أعيدوني لبلدي، أريد أن أرى ابنتي، !!!”.
فنقل إلى مستشفى الأمراض العقلية لأنه كان في حالة جد حرجة.
وفي غرفته بالمستشفى، كان يصيح طيلة الوقت، ويريد الخروج والهروب إلى “بلده”.
أعطيت له مهدئات لينام.
استرخى الرجل، وارتسمت على محياه ابتسامة حزينة، وهو يهذي بكونه يريد رؤية ابنته والعودة إلى بلده.
وعندما أدخل “خوانيتو” إلى المستشفى قرر تابعه “خوسي إلكورو” المضي قدما إلى “مدريد” للقاء رئيسة الحزب الشيوعي “دلوريس إيبروري””Dolores Ibarruri” الملقبة “بلبسيوناريا” “La pasionaria ” بهدف تقديمه لها تقريرا عن مهمته.
في “مدريد” تعب “إلكورو” بحثا عن مقر الحزب الشيوعي.
هذه “مدريد” أخرى، ليست تلك التي عرفها وعاش بعض الوقت فيها.
أضناه المسير والبحث ولم يعثر على شيء.
شعر ببعض الضيق في التنفس وألم حاد في الصدر.
عانى كثيرا، ولكنه رفض الاستسلام، أراد الوصول إلى مبتغاه، إلا أن قواه انهارت وخارت وسقط أرضا.
في المستشفى مغمى عليه أجريت له فحوص، فتبين أنه مريض القلب، كما أن رئتيه ليستا في أحسن حال نتيجة إدمانه على التدخين، فتح عينيه ورأى ممرضة، وديعة متقدمة في السن، خاطبها قائلا: “أيتها الرفيقة “دولوريس”” Dolores” جئت أخيرا، كنت متأكدا أنك ستأتين ولن تتركيني لحالي، وأنك تريدين الاطلاع على التقرير الذي أعددته لك.
جمع قبضة يده وأراد أن يرفعها تحية لمن اعتقد أنها “La Pasionaria “، لكنه لم يستطع لكونه كان منهارا.
يتملى فيها ويغمض عينيه تارة، ويفتحهما تارة أخرى إلى أن ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الحزينة، وكان قد مات.
***
سحب المناضل الشيوعي “خوسي إلكورو” إلى مستودع الأموات، وجمعت حاجاته، ووجدت بينها رسالة موجهة إلى قائدة الحزب الشيوعي، جاء فيها:
“رفيقتي: “دولورس إيباروري” Dolores Ibarruri”
أعود لألقاك بعد انقطاع دام أكثر من 50 سنة، غداة انتصار القوات الفاشستية للدكتاتور “فرانكو” على القوات الديموقراطية للجمهورية الإسبانية بدعم من حلفائه، هتلر وموسليني.
عقدت العزم إذن، على أن أخوض معركة ضروسا ضد النظام الفاشي. بعد أن علمت أن خزانه في تلك الحرب هم: المقاتلون المغاربة الأشاوس الذين استقوى بهم ضد المناضلين الجمهوريين، كما أنني اعتبرت أن المغرب أصبح قاعدته الخلفية، لذلك هاجرت إلى هذا البلد بغية خلق خلايا شيوعية، واستقطاب عناصر صالحة للانضمام إلى حركتنا، وقطع حبل السرة بين “فرانكو” والمغرب.
وهكذا، انتحلت شخصيات مختلفة قصد الوصول إلى تحقيق هدف الحركة.
واستطعت بالرغم من الصعوبات التي اعترتني أن أنظم عدة عمال وطلاب، كما حرصت على مناهضة نظام “فرانكو” المقيت، وما مطالبة الوطنيين المغاربة باستقلال بلادهم إلا تجلي للنشاط الدؤوب الذي قمت به.
والآن وقد أتممت مهامي بنجاح، قررت وضع هذه المحصلة بين يديك، لما ترينه مناسبا، على أساس أن ألتحق من جديد بصفوف الحزب الشيوعي لمواصلة ما بدأناه منذ ما يزيد عن نصف قرن.
إمضاء : المناضل الشيوعي
خوسي انطونيو مارتينيس
حزنه الدائم، وابتساماته الكئيبة، ووجهه الرمادي، كلها مؤشرات على كون “إلكورو” كان يهدف تحقيق ما جاء في رسالته، إلا أنه فشل، ومن تم الحزن الذي كان يعلو محياه، ويلازمه دائما.
***
تغير المكان والزمان:
وسكن الحي أناس هاجروا من البادية إلى المدينة نتيجة البطالة والجفاف.
وأصبحت الثكنة العسكرية، مدارس ابتدائية وثانويتين، فيما “الخمارة” أصبحت مكتبة والمقهى الشعبي مستودعا هاتفيا.
“العيطور” ذاك الفتى المغربي الوسيم، لم يعد يغني لأنه تقريبا فقد صوته.
اتسخت ملابسه، وسقطت أسنانه، وأصبح لون وجهه أكثر سمرة من حر الشمس.
نعم لقد أصبح “العيطور” منكسا لمجاري الواد الحار، وكلما تذكر “خوانيتو” وتابعه بكى من حسرته على خمارته “الحياة حلوة”.
في إحدى الأيام سمع سكان الحي صوتا مبحوحا، ورأوا قبضة يد مرفوعة إلى الأعلى، إنه “العيطور” ينشد نشيد الشيوعيين وهو سكران حد الثمالة.

ادريس حيدر
في منزل من منازل هذا الحي
بتاريخ 16ابريل2009

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع