أخر تحديث : الجمعة 23 أكتوبر 2015 - 6:15 مساءً

الخريف

جمال عتو | بتاريخ 23 أكتوبر, 2015 | قراءة

jamal_atto

غزى الشيب لحية وجهه بكثافة ،فلعل بياضها قد ضمن له بعض الهدوء ، جلس والخوف بعينيه يتأمل أوراق الشجر الـأصفرتتساقط والرياح الباردة تعبث به ، بدا له أن سنين عمره هي التي تتساقط ، تذكر أيام الصبا والشباب وكيف وليا عنه دون رجعة، وهو الذي تمنى أن ينمو سريعا ويكبر حتى يصير ” كازانوفا ” النساء وها هو يتذكر أيضا كيف كان يتحدث الى زميلات الدراسة متباهيا بوسامته ورشاقته ويرسم لهن عالما ذهبيا من خيال. ذات مساء كان واقفا مع فتاة خجولة في مكان ليس ببعيد عن الشارع العام،حتى ما ان دخل في حديث حلو جميل رمق شرطيا فارع الطول أسمر اللون يقصدهما ربما للقبض عليهما، لم يدر كيف أن أطلق ساقيه للريح وترك فتاة أحلامه للقدر تحلم معه. تذكر الشيء الكثير وهو متكئ الى جذع شجرة شامخة صامدة مثله رغم فقدانها رونق أوراقها وجمال خضرتها ، تذكر شغب المسيد وقاعة السينما الوحيدة في مدينته؛ ظلامها الدامس ورائحة فضائها الممزوجة برائحة الدخان وعطر كولونيا ” Reve D or ” ،تذكر زواجه وليلة دخلته، والأصدقاء منهم من بقي على قائمة الأحياء، ومنهم من شطب اسمه منها. ضحك ملء فمه حتى بدت نواجده ثم مالبث أن حبس ضحكته وأنفاسه على وقع خطى متثاقلة خلفه، التفت ليجد شيخا عليه سمات الوقار والحبور يلبس جبة خضراء ويعتمر قبعة بيضاء متكئا على عصا، فبادره بسؤاله:
-” سلام الله عليك. هلا شرفتنا بمعرفتك ؟ “،
نظر إليه الشيخ مليا حتى تسرب الذعر داخل أعماقه وهم بالنهوض والفرار، فقد خاله ملك الموت وقد انبعث في صفة انسان ليقبض روحه ويحلق بها في السماوات العليا، إذ لم يسبق له أن عرف ذاك الوجه الصبوح من ذي قبل، أيكون ملكا نزل الى دنيا البشر ليذيقه طعم نهاية الألم ؟كان الشيخ يتمعن والرجل ينتظر بفارغ الصبر جواب الشيخ، اقترب منه، مد له يده وخاطبه :
-” أو لم تعرفني ؟ أنا الحلم الذي كنت تعيشه بعدما تنام في كنفي هادئا، أنا من يعجز الحكماء عن تفسيري، أصاحب الشجرة وقت خريفها، فعش يومك الذي أنت فيه ولا تبالي ، فنكهة العمر في عرضه لا في طوله، انظر الى تلك الورقة الخضراء الوحيدة الثابتة ، اسألها عن سر قوتها وصمودها “.
تحرك قليلا ، سوى جلسته ونظر إلى الأعلى، فأحس بيد تربت على كتفه وقد تداعى إليه صوت من الأعماق كأنه صاعد من بئر بلا قرار :
ـ”…اسم الله عليك يارجل، مابك ؟ منذ مدة وأنت تهذي بكلام غير مفهوم ،اجلس وتناول دواءك “. فتح عينينه فوجد زوجته وقد انتصبت أمامه تحملق، أخذ كأس الماء وهمس:
-” زارني نفس شيخ الحلم الذي غادرني منذ مدة، ليتك تركتني أستمتع بإكمال الحلم إلى نهايته…”.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع