أخر تحديث : الخميس 13 نوفمبر 2014 - 10:30 مساءً

لن نعيش مرتين

جمال عتو | بتاريخ 31 أكتوبر, 2014 | قراءة

فتح عينيه باكرا بغرفته الانيقة يسودها ظلام دامس.بعد نوم عميق لم يحلم فيه كالعادة.استيقظ بدون منبه.اشعل انارة خافتة من زر قرب سريره .لمح كيس الادوية بجانبه كاس من الماء.تامل فلم يعر له اهتماما.قام بعدما اماط الغطاء ا

لخفيف كعصفور انعتق من يدي طفل مشاغب.توضا فصلى واطال السجود شكرا لله على انعمه.دخل الحمام ثانية نظر في المرآة مليا لم يرقه حاله.فقد غزى الشعر المتمرد الحزين وجهه الكئيب.اخذ موس الحلاقة وشرع في عزف سمفونية الصباح الجميل.استحم على مهل.واستبقى على ماء دافئ يخرج زلالا من رشاشة ليداعب ناصيته.احس في داخله بانسان آخرينبعث من رماد الاسى والكمد والجزع.
تفحص المرآة واقترب كما لو تعرف على تقاسيم وجهه.ابتسم ثم قهقه طويلا كالمجنون:
_”انها لحظة فارقة ولن اعود اهيم في خيالها…لا تستحقني ابدا…”.همس محمود.
فتح الرف بنشوة فاختار احسن الثياب واجوده:بذلة سوداء داكنةcostume Basic Noir من نوعZARA بربطة عنق وردية.كان قد اعدها بعناية لعقد قرانه.لبسها اول مرة.وانتعل حذاء كلاسيكيا.تناول عطر Allure فرش على مستوى صدره وبين منكبيه والتفت ليخرج ساعته اليدوية Gucci من علبة رمادية كتب بداخلها على قطعة ثوب:”ممنوع لبسها الا في يوم عقد قراننا…نوال”.لبسها ثم خرج بتوادة ويداه مودعتان في جيب بدلته.
حياه حارس الحي:”محمود صباح الخير كيف الحال اولدي..توحشناك واش كنت مسافر”.
ابتسم محمود الانيق.قصد الحارس فعانقه بطريقة ادهشت الرجل:
_”عمي المعطي..كنت مسافرا في عالم الاوهام..”.لم يفهم العم المعطي شيئا سوى رؤية محمود كوردة اينعت في صباح مشمس.لم يوثر محمود استعمال سيارته المركونة في مرآب الحي .اجتاحته رغبة جامحة في السفر بعيدا قريبا الى الشمال الى الجنوب لا يهم.اتجه بدون تخطيط الى محطة الحافلات القريبة من سكناه .صادف حافلة متاهبة للمغادرة.صعد في ثبات واخذ مكانا في الوراء محاذيا للنافذة.
قلعت الحافلة ومحمود يتامل في حركة الناس الذائبة وقد سعوا الى مآربهم المختلفة بحيوية ونشاط.لم يلق بالا لعون الحافلة يقف محنحنا:_”الى اي مدينة تسافر استاذ…”
نظر اليه محمود بدون ارتباك:_”اي اتجاه تقصد هذه الحافلة..”.رد العون وقد صد دهشته سمت محمود الاخاذ:_”سيدي الاتجاه:العرائش..اصيلة..طنجة..”.
_”اوف..اصيلة مرة اخرى..تذكرة لمدينة طنجة من فضلك..”.
طوال الطريق تمنى محمود لو تطول به الرحلة ردحا من الزمن.فلا يستقر به المقام.كان يتامل في خضرة لوكوس.ومآثر ليكسوس.وغابة العرائش وضواحيها الفاتنة وبواديها المتفرقة.فما ان اقتربت الحافلة من اصيلا حتى اسدل الستار على النافذة الزجاجية واغمض عينيه.التفت اليه رجل بدين يجلس بقربه:_”مابك.ايها الشاب دوار..غثيان..هل من مساعدة.”رد محمود وهو على الوضع نفسه:_”لا سيدي..انا بخير..اني اودع طيفها ومدينتها الآن الى الابد..” لم يفهم البدين من الامر شيئا كالعم المعطي.
غادرت الحافلة اصيلا بعد وقوف ثقيل على صدره الحاني كالصخر.فغادر الغم اعماقه وعاد ليزيح الستار ويتامل ثانية في البحر على طول المسار.
طويت الطريق طيا فلم يشعر بطولها الا والحافلة على مشارف مدينة البوغاز.
قضى محمود يوما جميلا ممتعا.فبعد تناول وجبة الفطور بدون دواء الاكتئاب بمقهى فرنسا.عرج على سوق دبارا.وقف بسور المعكازين.جال بالبولفار.نزل للميناء قرب محطة القطار القديمة.اخذ قهوته السوداء بمقهى محادية لفندق الموحدين.قصد مطعما بلديا بعدما جاع.فنادى على صلاضة مغربية والكرعين بالحمص والبطاطس المقلي.اكل بنهم ومتعة منقطعة النظير وبدون تناول دواء صداع الراس وآلام الظهر والاسترخاء.خرج يتحسس اماكن وازقة محمد شكري في خبزه الحافي.لم يفسر كيف زارته رغبته الجامحة تلك.
محمود وهو يمشي بتوادة على طول كورنيش طنجة لفت انتباهه شاب انيق ياخذ بيد فتاة في مقتبل العمر.ادرك بحدسه المرهف انهما مقدمان على الزواج.او تزوجا للتوه.تقدما اليهما في فضول محتشم:_”اسمح لي ايها الاخ الكريم”.
_”تفضل..ماذا تريد هل من مساعدة..”.
_”امتزوجان انتما..”.
_”مخطوبان وبعقد قران.ونحن على اهبة الزواج”.
نزع محمود ساعته اليدوية:_”ارجو ان تاخذها مني هدية لزفافكما .اشتريت واهديت لهذا الهدف.واحب ان تلبسها ليلة فرحك”.
اخذ الشاب الساعة الثمينة على استحياء.وقد احمرت وجنتاه.التفت الى محمود الذي ادار ظهره في الاتجاه المعاكس:
_”شكرا ايها اللطيف..لكن…….”.انحبست الكلمات امام جمالية وعفوية وتلقائية المشهد.
جلس محمود مسترخيا في مقهى هادئة.تحسس جيبه فاخرج هاتفه النقال.تفحص علبة الرسائل.فاعاد قراءة رسالتها للمرة الاخيرة في طنجة سيدة اصيلا.الرسالة التي قتلت فيه قبل ايام كل جميل وهو الانسان الذي يؤمن بالجمال في كل شئ:
_”……..محمود..حاول نسياني ما استطعت ولو اني اعلم انك لن تستطيع.لا تتصل بي مجددا..ساغادر المغرب في اتجاه دولة خليجية في عقد عمل هناك..كنت اخبئ عنك هذا.لاني اعلم بعدم موافقتك.اني اريد حياة افضل..مع احترامي لشخصك ونبل اخلاقك.ساطير الى الخليج بعد اسبوع .مازلت الان باصيلا….نوال.
مسح الميساج.سحب بطاقة التعبئة.كسرها ببرودة ورماها في حاوية المهملات.نظر الى غروب الشمس وهمس مبتسما والنور يشع من مقلتية:”لن نعيش مرتين..”
مرت الاعوام.محمود الان متزوج من سيدة وهبها الله له كانها من السماء في طهرها وعفتها.
والسيدة نوال كانت ضحية لشبكة الدعارة تديرها دينصورات الفساد الدولية تحت يافطات عقود عمل.
الخبر نزل كالصاعقة على محمود بعد سنوات وتالم لحالها .لانه نبيل في اخلاقه مرهف في انسانيته.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع