أخر تحديث : الخميس 13 نوفمبر 2014 - 10:30 مساءً

صرخة خافتة

جمال عتو | بتاريخ 1 نوفمبر, 2014 | قراءة

لم اعد لاعانق الجرائد كل صباح..اتصفح خطوط عناوينها الضخمة السوداء..واعمدة رؤساء تحريرها..ولم تعد تروقني صفحات الحوادث والغرائب والمصائب من اغتصاب الرضع والتمثيل بالمحارم وسرقة البنوك..لم اعد اميل الى قراءة الارقام المرعبة للهدر في الفراغ المؤلم.
كل يوم تاذن شمسه بالنور احب ان اتصفح فقط في وجه كل من صادفني وكاني ابحث جادا عن كلمة سر استفتاحا للوصل المنشود.
لا اشمئز من التقاط جدادة…كاغيط…ورقة انفلتت من كتاب او دفتر.فادسها في جيبي لاقرا السطور بعد حين.فربما هي عادة من بين عادات كبرت معي منذ ان انفتح وعيي بالمدرسة.
ما زالت وصية المعلم تطن براسي وانا مشرف على الخمسين مرسخة في ذهني كنحث على حجر:”اذا وجدتم يا ابنائي ورقة بالطريق مهملة.التقفوها..فقد يكون فيها مالا يفيدكم كتاب باكمله….”.
لماذا لم اعد احب الجرائد المؤثثة والمحنطة والمراجعة بمقص الرقيب وما زلت احب التقاط الاوراق كمعتوه تائه يلتقط اعقاب السجائر..اهو الطبع مع التطبع في سجال سرمدي.اكبر واكبر وينمو في الادراك والاحساس.والفظ عادات الكبر من غير اسى..لكن لا استطيع توديع ما اريد لي في الصغر.
كانت امي عندما ينمو شعر راسي فوق المعتاد وانا طفل تصطحبني الى الحلاق”با لحسن” بسوق للا رقية.فاعرج على الشريف المركون امام قوس المحلة لافرغ كمية من الزريع في جيب سروالي واحتفظ بالكاغيط في الجيب الاخر.فتدخلني على الرجل الحلاق ذي الطربوش المغربي الاحمر والسروال العربي.تسلم عليه فاجلس فوق الكرسي الفخم والمحها عبر المرآة وهي خلفي تشير الى الحلاق بيدها من الأذن الى الأذن..يعني التحلاق القريب من التصلاع كما العادة.فتتركني مستسلما لا اتفلسف مع الرجل المهاب.وتذهب لتقضي مآربها فيما يشرع الحلاق في تنفيذ مهمته كما طلب منه.ومن حين لاخر يصقل موسه بجلدة معلقة كالحزام ليشدب بها شعيرات مقدمة الرقبة تحت انغام ام كلثوم او الملحون.لتعود بعد وقت مرسوم وتمد الحلاق ب “ل كتب الله”خفية وتنظر الي بالاشارة من دون كلام ان أقبل يد “المعلم الحسان”.
ابنائي بناتي..ربما تسالونني عماذا كان يحدثني الرجل الحلاق ومقصه الميسر يمرح في راسي بحرية مغبوطة.
لا يصمت الحلاق طول وقت مكوثي..يتحدث عن الاخلاق والصلاة وبر الوالدين والحفظ.تماما كالمعلم بالمدرسة وبائع العسولة بمحيطها.وعمتي الاتية في زيارة من الجبل وجدي الذي يحل علينا من البادية.
هؤلاء كانوا مجتمعين على تهذيبنا وتخليقنا من غير اتفاق او موعد.
فنشا فينا طبع ثقافة المجتمع المتماسك الرصين وحب الخدمة والتواصل والتقارب.
حلت بعدهم ثقافة الجريدة والمسلسلات وفن الجلوس بالمقاهي منمقين كالعرسان.وحلت بعدهم ثقافة الهزل والهزيمة والميوعة والفراغ وحل بعدهم علم التجاذب والصراع..فلم يجد كل ذلك فينا نفعا.
لتبقى يا ابنائي ويا بناتي صنعة الزمن الجميل تفعل فينا فعلتها والى الابد.
زمانكم اولادي غير زماننا.وافكاركم غير افكارنا وعاداتكم غير عاداتنا .
لكن الاخلاق لم تكن يوما ملونة بالازمنة والامكنة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع