أخر تحديث : الثلاثاء 10 نوفمبر 2015 - 7:30 مساءً

الحلقة

جمال عتو | بتاريخ 10 نوفمبر, 2015 | قراءة

jamal_atto

فتحت عينا وأبقيت الأخرى تخطب ود النوم دون جدوى، تقلبت على الفراش مرات عديدة،وفي الأخير نهضت كأعمى تائه،أشعلت ضوء بهو المنزل كي أنظر الى الساعة الحائطية العتيقة المعلقة قبالتي،وكالعادة كانت دقاتها المتتالية تشق سكون المكان، وعقاربها تشير الى الثانية والنصف ليلا، ولئلا أصيب أحدا من أفراد أسرتي بعدوى الأرق انسحبت بهدوء إلى المطبخ لأركن في زاوية بعدما أخذت ورقا وقلما،فلعل بنات أفكاري سحبتني من فراشي الدافئ كرها وقادتني إلى حيث يطبخ الطعام،لا أدري ما يبقيني ماسكا للقلم في عصر الحاسوب وفأرته الطيعة، تصارعت الأفكار في ذهني،صنبور المطبخ هو الآخر لم ينم، قطرات الماء المتتالية كانت تسقط تباعا على آنية معدنية، ترد على دقات الساعة الحائطية وكأنهما في سمر،كل ما يحيط بي آنذاك كان يغري بطبخ شيء ما فوق النار الهادئة للذاكرة. آخر “روبورتاج” شاهدته بامعان قبل أيام من تلك الليلة كان يستعرض “حلقات”جامع الفنا بمراكش وحمولتها الثقافية الإبداعية الموغلة في الزمان والمكان،فزارني في ليلتي الساهرة طيف “حلقات” المرينة وأبطالها الذين تحفظهم الذاكرة القصرية كما تحفظ لاعبي النادي الرياضي لكرة القدم في الثمانينات، تذكرت “بريكدم” و “القرية” و “ولدمريم” وحسن لكحل ” و قازدابو” وآخرين أتقنوا فنون الفكاهة والحكي،استحضرت قصتي مع إحدى “الحلقات” وأنا ابن الثانية عشرة حيث إذ استقر عزمنا نحن الخمسة بالشهادة الابتدائية أن نتجه ذات مساء مباشرة بعد خروجنا من المدرسة الى “المرينة” لنستمتع بسماع قصص “الحلقة”، اتجهنا جريا ونحن نحمل محافظنا ونرتدي معاطفنا الزرقاء،وبعد مشاهدتنا لشاب كان يطوف وسط الحلقة بدراجته الهوائية ويلتقط قطعا نقدية ألقاها سلفا على الأرض بحذاقة مدهشة،أغرتنا “حلقة”أخرى تسللنا بين جمهورها المتحلق وجلسنا القرفصاء في حلقة “الصرصري” وكانت بحوزته قفازات الملاكمة ،كان قائد الحلقة يغري الشباب والأطفال بإجراء مقابلات وسط تصفيقات الجمهور ،وقبل بدء أية مواجهة يطوف لجمع ما استطاعت أريحية الناس أن تهب له من الدراهم،كانت مشاهد المقابلات تبعث على الضحك والإنتشاء أبطالها متبارون لا علاقة لهم ب”الفن النبيل” تفاجأت لما وجدت نفسي أحد المتبارين مع صديق الدراسة “عدوي اللذوذ” الجيلالي الذي كان أحد مرافقي في رحلة البحث عن التسلية،صديقي العدو هذا كانت بيني وبينه صولات وجولات في مباريات كرة القدم بالحي ولعبة” العصابة” وسرقة “البامبلوموس”من حديقة دار الباشا وجني ثمار نخيل ” المحلة ” وكذا اصطياد العصافير، بعد مغادرة القسم تأصلت بيننا أحقاد عميقة لم تحسم وها قد حان وقتها في “حلقة” الملاكمة،لم نكن أنذاك محتاجين لتحميسنا من قبل ” الصرصري” ولا لتصفيقات الجمهور الغزير، بل دخلنا مباشرة في المواجهة نلت في الجولة الأولى لكمات على مستوى الرأس والعينين والأنف رفعتني الى السماوات العليا و أرتني نجوما بيضاء في مساء جميل، وكان حظ الجيلالي ضربات على مستوى البطن والحوض والكليتين لأنه كان أطول مني، أجبرته على التقيؤ، وعندما لاحظ المسير والحكم في نفس الوقت حدة المواجهة أوقفنا بصعوبة ليجمع بعض الدراهم من المتفرجين الذين كانوا يتلذذون ويضحكون لتوجعاتنا، تهاطلت على الرجل الدراهم بوفرة، نظر إلينا ثانية وصفر معلنا انطلاق جولة ثانية بدأها الجيلالي بتوجيه لكمة الى وجهي مرة أخرى رأيت خلالها جدي الرابع بسلهامه الأبيض، استجمعت أنفاسي وباغته بضربة على جهازه التناسلي انكمش بعدها وانبطح أرضا ولكمته على رأسه الأصلع حتى تعبت ،آنها تدخل المسير وأوقف النزال بدعوى عدم مشروعية لكمتي الأخيرة. اقتربت من الجيلالي ونظرت إليه ففهم الرسالة،أزلنا القفازات في هدوء وانسحبنا لنجلس مع الجمهور المصفق ،لم نستمتع بما تبقى من مواجهات لأن كلينا كان لديه ما يشغله عن ذلك، في طريق عودتنا الى حال سبيلنا كان التعب قد تمكن منا.وسؤال واحد يحيرني: ماذا سأقول لأبوي بوجه كله كدمات؟ كنت أمشي متكئا على كتفي صديقين، وكان صاحبي الجيلالي يخطو كامرأة حامل ويده على حوضه. طرقت باب منزلنا وقد أرخى الليل خيوطه الأولى ،فتسللت الى الحمام لأرى وجهي في المرآة،فرأيتني بعين واحدة أما الثانية فقد تورمت، رفعت يدي اليمنى صارخا في وجه أمي: – ” أنا بطل …”

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع