أخر تحديث : الجمعة 20 نوفمبر 2015 - 7:16 مساءً

“بو رياح” في مدينة “الحظ الكبير” *

جلال الحمدوني | بتاريخ 20 نوفمبر, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_jalal_hamduni

في زمن شبيه بزماننا، وفي بلدة صغيرة من “بلاد العجائب”، ولد وترعرع فتى صغير اختار له والديه من الأسماء “مبارك”، لكن أهل البلدة كان لهم في تلك التسمية رأي آخر، اذ اعتبروها إسما على غير مسمى، فقد شهدت البلدة ليلة ميلاده ريحا عاصفة وأمطارا طوفانية أتت على الزرع والضرع..
كانت ليلة مشؤومة يتذكرها الصغار والكبار في البلدة. أطلقوا على المولود الجديد لقب”بو رياح”، كان نذير شؤم لهم، ولم يكونوا ليسمحوا له باللعب مع أطفالهم، بل كانوا يتحاشون المرور صباحا بجوار باب منزل الفتى مخافة أن تكون فاتحة يومهم مصيبة من المصائب.
عاش الفتى في هذه الأجواء المشحونة بالغبن والظلم، ولما اشتد عوده قرر الرحيل والسعي في أرض الله الواسعة. تزود بقليل من الماء والطعام، ودع والديه وغادر البلدة ليلا. لم يكن يرغب في رؤية أحد من سكان البلدة. توجه غربا في اتجاه يعكس شروق الشمس، وكأنه يريد ان تشرق شمسه التي كانت تحجبها سحب أهل بلدته بفظاظتهم وغيهم وتحقيرهم له على الدوام. وصل به المسير الى أطراف بلدة سأل عنها بعض العابرين فعلم منهم أنها تسمى مدينة “الحظ الكبير”. استقر به المقام في موطنه الجديد فقد كان أهل المدينة كرماء يحبون كل وافد جديد عليهم. أمَّنُوا له الإيواء، شاركوه في تجارتهم وهو الذي لم يكن يملك فلسا مثقوبا حتى، لقد كان ينطبق عليه حرفيا وصف “ذو متربة”، فلم يكن لديه غير التراب يفترشه. ومع كل ذلك لقي أحضانا دافئة وأيادٍ مرحبة، وبيوتا مضيافة..
لم تكن تَغْفُ له عين إلا ويسترجع شريط ذكرياته في بلدته ب”بلاد العجائب”، موطنه الأصلي، وما لاقاه من حرمان وحيف من عشيرته. عقد العزم أن يترك كل ذلك خلفه ويتسلق القمة، فمدينة “الحظ الكبير” فتحت شهيته لذلك، فهي تَهَبُ لكل وافد عليها حظها الوفير، أو كما يقول أهل المدينة بملء فيهم (فمهم):”خبز أهل الدار يأكله البراني”.
“مبارك” الذي لم يسرد سيرة حياته لأقرب المقربين ظل دائماً يراوغ كل من سأله واستفسره عن أصله وفصله، بالفكاهة والتنكيت، حتى أنه ورث عباءة جحا المدينة عن جدارة واستحقاق. مرت السنين سريعا وكأنها ساعة من الزمن تسلق فيها “مبارك” السلم الاجتماعي وصار من أهل الحل والعقد في “مدينة الحظ الكبير”. وذات ليلة عاصفة دقت بابه”عرافة” عجوز تلتحف إزاراً أسود اللون، ولما فتح لها “مبارك” باب بيته سألته: “هل أنت “بو رياح”؟؟”،، لم يجبها من وقع صدمة السؤال . فهو لم يسمع هذا اللقب منذ سنين خلت، حتى كاد يمحى من ذاكرته. سألها من تكون؟؟،، لم تعره اهتماما وواصلت حديثها:”احذر يا هذا فرياحك العاتية قد تدمرك، فكما هي حملتك من بلاد بعيدة جرداء إلى مدينة فاضلة، قد تجعلك بين ليلة وضحاها أثرا بعد عين.”، تفوهت بكلامها وانصرفت تشق طريقها وسط العاصفة.

(*) هذه القصة ليست من قصص الواقع، وأي تشابه بينها والواقع فهو من قبيل المصادفة ليس إلا.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع