أخر تحديث : السبت 21 نوفمبر 2015 - 1:13 صباحًا

كوابيس

أحمد الدافري | بتاريخ 21 نوفمبر, 2015 | قراءة

ahmed_eddafri

عادة، تحتاج عواطفي الهشة إلى مدة طويلة كي أنسى المواقف المفجعة التي أواجهها في الحياة. وليس ثمة في الحياة أفجع من الموت.
وأنا في الثامنة من عمري، عندما عدت من مدينة الدار البيضاء إلى مدينة القصر الكبير بعد انتهاء ثلاثة أشهر من عطلة الصيف، جريت نحو بيت صديقي الصغير عبد الله، الذي كان يدرس معي في القسم التحضيري، والذي كان كلما اقترب الغروب يدعوني إلى بيته بحومة سيدي بورمّانة لكي أتناول معه وجبة “الميريندا”، وحين طرقت الباب، فتحت لي خالته التي كانت توصله رفقتي إلى مدرسة مولاي علي بوغالب في حي المحلى، وما أن رأتني حتى ارتمت علي واحتضنتني وبدأت تبكي بحرقة. لم أفهم لماذا تبكي وبدأت أحدق في وجهها المنهوك. وحين أدركتْ عدم استيعابي للموقف قالت لي : صاحبك عبد الله مات.
كانت وقتئذ هي المرة الأولى التي أجد فيها نفسي متورطا في طرح سؤال على عقلي الصغير يفوق مستوى إدراكي لماهية وجود الكائن الإنساني. لماذا يولد الإنسان مادام يموت؟
صدمة وفاة عبد الله الصغير اخترقت كيان جسدي النحيف، وتسربت إلى داخل وجداني، وكنت في حاجة إلى وقت طويل لكي أتخلص من حالة الخوف التي كانت تستبد بي في كل ليلة قبل النوم، وهي حالة كانت تتوالى بعد استسلامي للنوم، وتتجسد لي في صور وجوه أشخاص مرعبين يحاولون اللحاق بي من أجل الانقضاض عليٓ. بينما أنا أصرخ وأحاول أن أجري، لكني أجد أن قدميّ ملتصقتان بالأرض.
في سن العنفوان، وأنا لم أتخلص بعد من كوابيس الليل. أيقظني صراخ أمي في الفجر، لأكتشف أن جدتي “مّي زهرة” قد أسلمت الروح لبارئها في الغرفة التي كانت تتقاسمها مع شقيقتيّ لطيفة وخديجة، بينما كنا نحن الآشقاء الذكور ننام في الصالة الصغيرة قبالة التلفزيون. عندما أيقظني صراخ أمي وجدت فراشي مبتلا. ذهبت بسرعة إلى المرحاض لكي أفرغ ما بقي في مثانتي. وبعدها ذهبت إلى الفراش الذي كانت فيه جدتي مستسلمة لنومها الأبدي. عانقتها، فأُغمي عليٓ.
وبما أن الفواجع لا حصر لها، فقد رأيت وأنا في سن العشرين صديقي الذكي الرائع الميلودي عائدا في نعشه من الرباط. كان يدرس في السنة الأولى بالمدرسة المحمدية للمهندسين، فأصيب بحالة إغماء وهو في الطابور حامل طبق الأكل بمطعم المدرسة لحظة الغذاء، وسقط على الأرض، وتعرض رأسه للانفلاق، فسرقه الموت بعد أن أثخنه النزيف.
رأيت أيضاً صديقي المحامي عبد الخالق الدغاي محمولا فوق الأكتاف داخل صندوق في اتجاه مثواه الأخير، وأنا لا أصدق كيف يمكن أن يكون شخص تربطك به علاقة صداقة لا مثيل لها، يدردش معك في الليل عبر الخاص في فيسبوك، ويصلك في الصباح خبر مغادرته للحياة على إثر ارتفاع قوي في الضغط.
قبل وفاة عبد الخالق بأقل من سنة، كنت قد رأيت أمي وهي تقول لي أنا وأختي خديجة فوق الفراش بالمستشفى : “تهلّاو فبعضياتكم، وخليوني دابا فرحمة الله” قبل أن تفارقنا إلى الأبد ويشاركنا عبد الخالق في تهييء مراسيم عزائها.
وبعد وفاة أمي بثلاث سنوات، رأيت فاطمة زوجة أخي عبد الله وهي في الثلاثين من عمرها مسجاة فوق الفراش بغرفة الإنعاش، بعدما صعدت روحها إلى السماء، وابنتاها الصغيرتان في حالة ذهول، تنتظران أن يتم إيداع أمهما داخل صندوق، وأن يُنقل جثمانها في سيارة الإسعاف لكي تُوارى تحت التراب في قبر لا تفصله سوى خطوة واحدة عن قبر جدتهما من أبيهما.
وبين هذه الفواجع الكبيرة حدثت فواجع أخرى وجدت نفسي خلالها إزاء فقدان أشخاص يرتاح لمصاحبتهم القلب. لكن الفاجعة الأكبر التي ربما يحتاج جرحها إلى قدرة فائقة على التحمل والصبر. هي حين تكون ممددا فوق فراشك وقد غرقت في النوم لمدة ساعة واحدة في فندق خارج أرض الوطن، فيوقظك صوت عبر الهاتف، ليُخبرك بأن صديقك الذي جئت رفقته من المغرب إلى القاهرة في بعثة تتكون من ثلاثة أشخاص، والذي كنت رفقته في الأمس مع أشخاص آخرين تتحدثون في أمور السينما وشؤون الحياة، قد اختطفته يد المنون وأصبح في عداد الأموات.
شيء لا يصدق، ومُصاب يُؤلم الجوارح ويُدمي القلب.
رحمك الله سي مصطفى المسناوي.

 

 

 
أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع