أخر تحديث : السبت 21 نوفمبر 2015 - 11:24 مساءً

البطل المنسي ـ 2 ـ

إدريس حيدر | بتاريخ 21 نوفمبر, 2015 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_idriss_haydar

بعد تهريب حوائج ” با الجيلالي” إلى منزلنا ببضعة أيام شاهد سكان الحي ، أشخاصا غرباء، يقتحمون منزله حاملين مسدسات في أيديهم ثم أخرجوه شبه عار و حافي القدمين ، بيدين مكتوفتين وراء ظهره ، و ساقوه إلى وجهة غير معلومة.
استمر غياب ” با الجيلالي” مدة ليست بالقصيرة ، و لم تكن أسرته تعلم شيئا عن مصيره و مكان إخفائه.
ظلت عائلته ، قلقة حول مصيره، واعتقدت زوجته و ابنه البكر ، أن الأمر هذه المرة ، يتعلق ربما بنهايته.
انتشرت إشاعات كثيرة بين الناس بخصوص اختفاء ” با الجيلالي”. فمنهم من زعم أنه و معتقلين ناشطين سياسيين يساريين ، قد أعدموا، و منهم من ادعى أنهم يعذبون في أماكن و معتقلات سرية حتى الموت، و منهم من أكد أنهم يخضعون لاستنطاقات عنيفة ، نظرا لثبوت خيانتهم لوطنهم بعد التآمر عليه مع دول أجنبية.
وكل تلك الحكايات يزعم أصحابها أنها من مصادر موثوقة.
مكثت أسرة ” با الجيلالي” دون معيل ، طيلة مدة غيابه، خاصة و أنها متعددة الأفراد ، و فقيرة.
وفي ساعات متأخرة من الليل، كان باب منزل ” با الجيلالي” يطرق من طرف غرباء، حيث كانوا يقدمون لزوجته إعانات في شكل نقود أو بعض المواد الغذائية، و ينصرفون بسرعة لحال سبيلهم. و كانت هذه العملية تتكرر مرة واحدة في كل أسبوع.
أمسى غياب ” با الجيلالي”، الذي طال ، مقلقا، بحيث أن فرضية اغتياله أصبحت قوية.
و في إحدى الصباحات الرمادية ، حيث كانت السماء ملبدة بالغيوم ،منذرة بقرب سقوط المطر، شاهد بعض المارة ، ” با الجيلالي” يرمى من إحدى السيارات ( الفرنسية الصنع)، سوداء اللون ، كان مكبل اليدين و معصوب العينين.
أخذني أبواي معهما عند زيارتهما له. كان قد أصبح نحيف الجسم ، مما كان يبدو معه و كأنه أكثر طولا مما كان عليه قبل اختفائه. شاحب الوجه و لم يعد يقوى على المشي من كثرة التورمات و الجروح التي برجليه، من كثرة التعذيب القاسي و الشرس . كان الوهن قد دب الى كل جسمه.
أكد زمرة من الناس الذين عاينوه يوم رمي به في الشارع، أنه كان قد أسدل اضطررا لحية طويلة، متسخة كما وجهه، كما أن ملابسه كانت ممزقة ، و حافي القدمين.
كان يبدو بملامحه تلك، و بثيابه الرثة و كأنه بعث من زمن غابر.
قضى ” با الجيلالي” بعد الإفراج عليه ، فترة طويلة منزو في منزله
صامتا طيلة الوقت.
يئن أحيانا من الآلام التي كان لا زال يشعر بها في بعض أطراف جسمه و خاصة رجله اليسرى. كما أنه من حين لآخر كان يمزق صمت المكان بصوت شبيه بذلك المواء المرعب الذي تطلقه بعض القطط في فترات التوالد و خاصة في ليالي فصل الشتاء الباردة. كان يبكي بصوت رهيب نعم يبكي و هو يتذكررفاقه الذين قضووا أمامه من شدة التعذيب، و الإهانات التي كان و رفاقه يتلقونها من طرف الجلادين.
مع مرور الوقت ، بدأ ” با الجيلالي” يسترجع عافيته، لكنه استمر صامتا و حزينا.
” با الجيلالي”، انتسب باكرا للمقاومة ، و كافح من أجل طرد المستعمر الفرنسي ، و كلف من طرف رؤسائه بنقل الأسلحة من شمال المغرب الذي كان يعيش تحت الحماية الإسبانية إلى منطقة الحماية الفرنسية.
و نتيجة ذلك اكتشف مدينتنا باعتبارها قريبة للحدود بين المنطقتين. استطاب له العيش و المقام بها. و عندما حصلت البلاد على استقلالها قرر الاقامة فيها.
عند تأسيس حزب ” الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” ، انتسب لهذا الحزب ككثير من المقاومين، و كلف بالمداومة في مقره، و توزيع جريدة الحزب ” التحرير”.
و في إطار نشاطه الحزبي ، عبأ كثيرا ساكنة المدينة من أجل التصويت ب” لا” على دستور 1962، و نجح في في هذا الفعل النضالي.
و إذن كان قد أصبح وجها معلوما و معروفا وسط ساكنة المدينة ، باعتباره مقاوم سابق و مناضل يساري و مناهض شرس لسياسة الحاكمين ، و مؤمن بقيم العدل و المساواة، مطالب بتوزيع ثروات الوطن بين الجميع.
تغير سلوك الرجل بعد حدث اختفائه، و لم يعد مرحا كما كان من قبل . و أصبح يفضل قضاء وقته مع أطفال العائلة و الجيران، و عند استفراده بهم كان يحثهم على الدراسة و التحصيل، و يحاول زرع إيمانه بالقيم الفضلى في نفوس هذه الناشئة.

 

البطل المنسي – 1 –

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع