أخر تحديث : الثلاثاء 24 نوفمبر 2015 - 11:17 مساءً

أبو حيان في طنجة

بهاء الدين الطود | بتاريخ 24 نوفمبر, 2015 | قراءة
بهاء الطود

بهاء الطود

“إن استعادة التاريخ إبداعيا وجه آخر من التطلع إلى المستقبل”
جابر عصفور

بقيت طيلة المسافة الفاصلة بين الميناءيْن الإسباني والمغربي، مسمّراً فوق مقعدي دون أن أهتم بأني أُجبرت على الجلوس بأمر من الشرطيَّيْن المتناوبَيْن على حراستي، فاهتمامي الوحيد كان مصوّبا إلى ما بداخلي، إلى تلك الهوة السحيقة التي باعدت بيني وبين كل ما يحيط بي.
كان الطقس دافئاً مشمساً، والأمواج متراخية غافية، كأنها تخشى إيقاظ البحر من سباته، وبعض راكبي الباخرة يصعدون إلى شرفات سطحهـا ناشدين تأمل الأفـق أو التزود بمتعة مشاهدة البحر،
أو ربما كان الطقس نقيض ما توقعت، مكفهراً مضطرباً، والبحر في أشد هيجانه، تتعالى أمواجه وتتلاطم، فتعترض سير السفينة ساعية في ابتلاعها.
من أين لي أن أعرف كل هذا؟
من أين لي أن أعرف ما كان يقع خارج دائرة نفسي، وكل اهتمامي كان منصبّاً على مصيبتي ؟
كنت أحس أن خيطاً رقيقاً يربط ماضي بحاضري سينقطع بين لحظة وأخرى، فأنفصل عن أحد الزمانين، وأدور في أبديّة لا نهاية لها.
هكذا كنت في حالة خارقة من الذوبان في دواخلي، وحين كنت أجرؤ على التفكير فيما يجري حولي، أجده منفراً مقزّزاً، فالأماكن لم تعد هي الأماكن والناس ما عادوا هم الناس، والروائح لم تعد هي الروائح، والكلمات، والإشارات، وكل ما ألفته حواسي، اختفى واندثر، وحل مكانه الغموض.
الباخرة العملاقة نفسها، لم يستوعبها عقلي، فقد ظننتها قصراً خرافياً تسحبه الشياطين بخيوط غير مرئية فوق أمواج البحر.
وقلت لنفسي، لا يمكن لهذه أن تكون باخرة، فليس بها رجال ذوو قامات مديدة وسواعد مفتولة يتناوبون على التجديف، أو أشرعة ما تدفعها إلى السير بهذه السرعة!
إن لم يكن عالم السحرة والشياطين، فهو عالم آخر أجهله تماماً.
انتصبت واقفاً بأمر من الشرطيين وخطوت رفقتهما، انحدرنا في سلالم ضيقة وعرة، فذهب ظني إلى أنها ستفضي بنا إلى بئر سحيقة، لكنها أسلمتنا إلى باحة شاسعة فولاذية السقف والأرض والجدران.
كدت أختنق من روائح قوية عافتها نفسي، ومن هدير كذوي رعد متواصل صادر من إحدى زوايا تلك الباحة، شموع قصيرة مبثوثة في سقفها لاتطفئها أعتى الرياح، هي الشموع ذاتها التي أفزعتني في الليلة السابقة بعد أن ألقي عليّ القبض في العدوة الأندلسية فحسبتها عيون شياطين، وتراءت لي كوة ضخمة مرعبة تفضي إلى الخارج، لكن بعد أن غادرناها تبيّن لي أنها باب كبير، وأن ما ظننته سجنا فولاذياً لم يكن سوى بطن السفينة الخرافية العملاقة.
واستقبلني فضاء مزعج مضاء بِسُرَجٍ مبثوثة هنا وهناك، لا تبدد الظلام القاتم فحسب، و إنما تُحِيلُهُ نهاراً متألِّقاً.
سرت محاطا بالشرطيين، أستدير برأسي يمينا ويساراً، فضغطت بشدة على عنقي لأتبَيّن إن كنت حقا أعيش هذا الواقع وأنني لست في حلم، وانتفض قلبي مثل جواد جموح حين شاهدت “نهاوند”، لكن، منذ الوهلة الأولى، تبيّن لي أنها امرأة أخرى تشبهها، فلم أغضّ الطرف عنها إلا بعد أن تعثرت في سيري، لكن “نهاوند” ظلت مشعة في ذهني، فتذكرت أنه لم يسبق لي أن تحسّسْتُ مفاتنها الخفية إلاّ من خلال أصابع يدي ليلا في مضجعي، وليس أمام الملأ ودبيب حركة الحياة كما يفعل مرافق المرأة الشبيهة بها. نسوة أخريات كن يسرن وقد كشفن عن مفاتنهن بتلقائية، ورجال أزالوا لحاهم وشواربهم وقصوا من شعر رؤوسهم دون خجل أو وجل.
ولجنا داراً كبيرة كتب فوق مدخلها “مفوضية شرطة الميناء”، عرفت أني أدخل إلى دار الشرطة، وأن الرجال أصحاب الأحزمة الجلدية والقبعات الغريبة هم من الشرطة، أشاروا عليّ بالجلوس فوق مقعد خشبي إلى جانب رهط من الناس، فجلست.
جاء شرطي بدين وأمسك بقفاي، ثم جرني من بين الجالسين إلى مكتبٍ فسيحٍ، وأمرني بالجلوس فوق مقعد أمام “الحاج إبراهيم”، ضابط الشرطة الممتاز، كان اسمه وصفته منحوتين على لوح صغير بني اللون وضع أمامه، بينما جلس هو خلف منضدة توزعت فوقها أوراق وصكوك وأدوات لم أتعرف إليها؟
وبدون مقدمات قذف الرجل في وجهي بذات الأسئلة الغريبة التي ألقيت عليَّ من لدن شرطة الباخرة، بعد أن تسلمتني من شرطة الأندلس.
– ما اسمك؟ كيف تسللت إلى إسبانيا؟ أين تقيم؟
كرّر أسئلته أكثر من مرّة، لكني بقيت أحدّق في عينيه الضيقتين المطلتين من وجه مستطيل، حليق، صقيل إلا من شارب مَوْخُوطٍ بشيب دون أن أجيبه، فالتفتَ إلى مرافقيْه الواقفيْن بجانبه، أحدهما بدين مكرّش، هو الذي قادني من قفاي كأنني كلب، والثاني نحيل رَثُّ الهيئة أصفر اللون، تولى كتابة محضر استنطاقي، وخاطبهما:
– لا أبداً، ليس مجنونا كما تظنان، إنه يدّعي الجنون، لاغير.
وتدخل الشرطي البدين الذي رافقني في الباخرة، مخبراً رئيسه:
– حاولنا يا سيدي جرّ لسانه إلى العربية وإلى لغات أخرى، حتى ظنناه أطرشَ أو أصمَّ، أبكمَ. فاستعملنا لغة الإشارات، فلم يرد بشيء، بل ظل يحملق في وجهينا وكأنه لايرانا، تماماً كما يفعل الآن.
ضرب “الحاج إبراهيم” بقبضة يده اليمنى على المنضدة حتى كادت تتطاير الأوراق من فوقها، وقطّب حاجبيه فازدادت عيناه الضيقتان انسداداً، وقال لي:
– لن يجديك هذا الصمت، فستُحبس، وتُجَوَّع، ويُدَقّ رأسك إلى الأرض إلى أن تعترف!
حركت رأسي كمن يفهم دون أن أَنْبِسَ بكلمة، فسادت فترة صمت خفيفة، تبادل الرجال خلالها نظرات ذاهلة، أكدت يقينهم بأني كنت أسمع، وأستوعب ما كان يقال، ولعلهم فكروا في أنّ التهديد بحبسي وتجويعي وضرب رأسي إلى الأرض هو أقصر السبل لتتدفق من فمي أجوبة ترضي مآربهم.
كنت أسمع في الحقيقة كل ما قيل، لكنني لم أحفل بأي تهديد، فرعبي الوحيد كان منصباً على ما يجري بدواخلي، على انشغالي بشأني النفسي المفجوع بالغربة، بإحساسي الشنيع بالوحدة، بوعيي الكامل بوجودي في غير مكاني، وفي غير زماني.
وحين حركت رأسي إشارة إلى كوني أسمع وأفهم، كانت تراودني فكرة التحدث إليهم، علني بذلك أكتشف بعض الغموض عن نواياهم، أو عن مصيري مثلا، ونطقت. وجهت كلامي إلى رئيسهم “الحاج إبراهيم”:
– سيدي أطال الله عمرك، ما كنت يوماً لصاً ولا شريرا ولا جبانا، ومادمت لا أخفي سُوءاً ضد الله ولا ضد عباده، فلن يرعبني أي تهديد، ولعلمك، فقد جئت إلى المغرب، ينتابني شوق عارم إلى ملاقاة فلاسفة وفقهاء من ديار أهل المغرب وأهل الأندلس، لا أقل ولا أكثر، إنني قدمت مهاجراً ناشداً المعرفة والحكمة، وكان ظني أني سأجد قوماً يكرمون وفادة الغريب ويقدرونه حق قدره، لكنني وحسبي ما وجدت سوى ما غَشَّى صدري بالغم، ورأسي بالكمد، ونفسي بالاغتراب.
ما أن أتممت جملتي الأخيرة حتى رأيت الذهول قد طغى على وجوه الرجال، وأخذ ينظر بعضهم إلى بعض في تساؤل من الْتبس عليه الأمر، وقد فغرت أفواههم، وجحظت أعينهم وكأنني فهت بكلام غريب مبهم، لا يصدر عن إنسان عاقل.
أنا أيضاً أصبت بالارتباك، والتبس عليَّ الحال، فظننت أن الأمر قد يتعلق بهندامي الغريب مما جعلني ألقي نظرة فاحصة على نفسي، وتابعتُ قولي:
– إن أحدهم في ثغر “المُنَقَّبْ” سترني بهذه الثياب، فو الله ما عرف جسدي قمصاناً ولا سراويل بهذا الشكل، ولا حتى غادرت بيتي يوما عاري الرأس، أعرف أنكم تريدون أجوبة مني على أسئلتكم، أنا أيضا أرغب في أجوبة منكم تستجلي لي سر هذا الغموض المحيط بي، فَتُزِيحُ عن صدري غمه ،وعن رأسي كمده، وعن نفسي غربتها، فهل تبدأون فأفصح، أو أبدأ فتفصحون؟!
ظلت الدهشة مرسومة على محياهم إلى أن تحدث “الحاج إبراهيم” متلعثماً، محاولا اصطناع جملٍ عربية سليمة:
– حاشا يا سيدي أن تكون لصاً أو ما شابه. في الحقيقة فاجأنا كلامكم البليغ الفصيح، أدهشنا صوتكم العذب الرنان، إننا على استعداد لمساعدتكم، بل من واجبنا أن نوضح لكم ما التبس عليكم، إنما قبل ذلك، أريد أجوبة صريحة على أسئلتي.
حركت رأسي بالإيجاب، فنطق:
– ما هو اسمكم وما هي جنسيتكم؟
لم أقو على إخفاء ما غشى وجهي من استخفاف بسؤاله، منطقيا ولُغَويّاً، فأجبته:
– اسمي “أبو حيان التوحيدي علي بن محمد بن العباس”، وجنسي ذكر، عربي مسلم.
– أنا أسأل عن جنسيتكم وليس عن جنسكم!
وبالاستخفاف الممزوج بالامتعاض نفسه أجبته:
– أنا يا سيدي رجل واحد فرد، وأنت تخاطبني بصيغة الجمع، فهل ترى في شخصي جمعاً من الرجال، أم أن هناك سبباً أجهله وراء هذا الخطاب؟

تدخل الشرطي النحيل الأصفر الملامح، موجها كلامه إلى رئيسه:
– أسأله من أي بلد هو قادم، أقصد عن اسْمِ بلده.
فاستجاب له رئيسه، معيداً سؤاله بصيغة معقولة:
– من أي بلد قدمت؟
استرخت أسارير وجهي وأنا أجيبه:
– من “بغداد” يا سيدي.
التفت “الحاج إبراهيم” إلى معاونيه، وكمن يخاطب نفسه قال لهما:
– يقول من “بغداد!”، أما كان أولى أن تسلمه السلطات الإسبانية مباشرة إلى بلده عوض أن تحيله علينا.
ثم نظر إليَّ:
– ألديك أوراقٌ تثبت أنك عراقي؟
مرة أخرى يجانب سؤاله الصواب، لكنني أجبته:
– لم يسبق أن حصّلت وثيقةً تثبت ولائي للعراق ولا إلى بلد آخر؟
– وكيف تريدني أن أقتنع بأنك عراقي؟
على الرغم من غموض سؤاله، لم أسخر منه، كنت أرغب في أن أكون صريحاً وصادقاً، فقلت له:
– وما مرادك يا سيدي لكي تتأكد إن كنت عراقيا أم فارسيا أم حجازياً، أليس الوطن حيث أقامك الله؟! مع أني أجهر بأني عراقي، صراحة أود لو أعرف؟
أطرق صامتاً وكأن كلامي فاجأه، فتابعت حديثي:
– سبق يا صاحب السلطة أن أخبرتك بأنني مسلم، وفي ملتي واعتقادي أن المسلمين في ديار الإسلام سواسية، إلا إذا كان لك شك في إسلامي، ففي هذه الحال، ورفعاً لأي غموض، أعلن أمامك بأنني مسلم حنبلي، عالم متفقه في الأصول والفروع والحديث، وأمور الفقه عامة، من مذاهب ونحل ومسالك ومعاملات.
طلب مني أن أصمت قليلا، وأشار على معاونيه بالسكوت، ووضع راحة يده على جبينه، وسرح ساهماً وكأنه يواجه حالة شاذة فريدة تقتضي حرصه وصبره، أو كأن ما أواجهه به يجانب في نظره المنطق والصواب.
بعد برهة، خاطبني وهو يحاول أن يبدو هادئاً:
– إنني يا سيدي لا أشك في إسلامك، وقد أعجبتني ثقافتك وراقتني دقة أجوبتك، إن ما أرغب فيه صراحة هو أن أعرف كيفية مجيئك إلى المغرب، وطريقة دخولك إلى إسبانيا؟
طأطأت رأسي موافقاً مستحسناً سؤاله، وخضت في الحديث:
– قدمت إلى المغرب كحال جميع الوافدين عليه، أما إذا كان قصدك أن تعرف الطريق الذي سلكته، فلا أرى بأسا من إطلاعك على تفاصيل رحلتي بكاملها.
أسرع يقول بلسان تشوبه بشاشة معينة:
– تماما تماماً، ذلك ما أرغب فيه، استمر استمر.
وتابعت حديثي:
– يمّممت وجهي شطر دمشق، فالإسكندرية، فبرقة، فالقيروان، فتلمسان، إلى أن دخلت حاضرة فاس، سليماً معافى ولله الحمد.
وقد أنستني فاس ما كان قد تخلل رحلتي من محن ونوائب، إذ وجدت بها ما لم أجده في حواضر غيرها؛ مرتفعات مزدانة بشجر الغاب، ونباتات الكروم، والتين والزيتون، والليمون والتفاح، والمشمش والبرقوق، والعنب والكرز، واللوز والموز والجوز، استطبت هواءها وجنانها، وراقتني مبانيها وأَزِقَّتها وساكنتها، ووجدت الكل على دين الإسلام ومذهب إمام الهجرة سيدنا مالك بن أنس الأصبحي رضي الله عنه.
كان “الحاج إبراهيم” يحرك رأسه استلطافاً لكلامي، وكنت أروي أخباري وأنا أتلصّص ببصري بين معاونيْه، لأستطلع وقع ما أقصه عليهم، فاستنتجت عدم ارتياحهما لما أعترف به، لكن رئيسهما “الحاج إبراهيم” كان أكثر ما يهمني، وأضفت:
– اصطفيت من آل فاس خلاناً وأصحاباً أكرموا وفادتي، وقدروني حق قدري، أذكر من بينهم الفقهاء، الجوطي والدباغ والسليماني والكغاط والشبيهي، وفي أيام قليلة أخذ يألف بعضنا البعض، فصرت أطلعهم على الصغيرة والكبيرة مما كان قد أَذَلَّنِي في سفري من بلد إلى بلد، وما كان عليه طبعي وحالي في بغداد.
قاطعني “الحاج ابراهيم”:
– سيدي ! جميل ما تقصه عن مقامك في فاس، وما كان عليه طبعك في بغداد؛ لكنني أكثر شوقاً لأعرف كيف دخلت إلى إسبانيا.
فقلت له:
– المهم، أن أصدقاء فاس عرّفوني بقافلة كانت قد قدمت من سجلماسة في طريقها إلى غرناطة؛ وكان بها تجار نبهاء وفقهاء نبغاء، فانضممت إليهم لأرافقهم في قافلتهم المكونة من خمسة وستين رجلا، وعَدَدٍ من النساء والخيول والبغال والحمير، ودواب أخرى حملت صبية، وتكدست فوقها أمتعة ومؤن وأغراض أخرى.
وعاد “الحاج ابراهيم” إلى مقاطعة قصتي:
– باختصار، وصلتم إلى طنجة!؟
– أجل، كانت حاضرة طنجة محطة مستهدفة لنبحر منها إلى بلدة “طريف” بالأندلس، لكننا توقفنا في حاضرة “قصر كتامة ” لنستريح من ضجر الطريق وعناء السفر، وهي بلدة يشقها نهر يدعى لوكوس، أرضها منبسطة خصبة معطاء، تحف بها بساتين خضراء وجنان مثقلة بالكروم والفواكه على مدار فصول العام، أهلها أَجْوَادٌ كرام، فصيحو اللسان، حاضرو البديهة، سريعو النفاذ إلى القلوب، ومن عاداتهم، السّهر والسّمر وقصّ ما استجد من العلوم والأخبار، ومما أستحضره عنهم، ما سرده على مسامعنا أحد رجالاتهم من بيت آل القنطري، أنه قابل شخصيا، منذ حَوَالَى خمسين عاماً المدعو “حاميم المتنبي”، البربري الذي ظهر في قبيلة غمارة، فأنشأ بها ديناً وقرآنا بربرياً، واقتصر في دينه الجديد على الصلاة مرتين في اليوم، وأبطل الحج إلى بيت الله، كما أوجب صوم الأربعاء والخميس، والعجيب الغريب، أن عدداً كبيراً من برابرة شمال المغرب اعتنق هذا الدين، لكنهم في قصر “كتامة” تصدّوا له، مثلما تصدوا لنشاط الخوارج. ما أقصه حقيقة لا ريب فيها، ويمكنك استفسار بعض أهالي كتامة من التقاة، كالصرصري وبوعجاج والدنهاجي والفاسي الفهري.
ثم رحلنا عن البلدة في صباح باكر بعد أن أدينا فريضة صلاة الفجر في مسجدها الأعظم المهيب، وقد قيل لنا إنه كان كنيسة رومانية في عصر بائد.
وقاطعني الرجل أصفر الوجه الذي يدوّن أقوالي:
– اختصر كلامك يا أخي، فلديْنا عشرات المهاجرين السريين!
فتصدى له الحاج ابراهيم مقاطعاً:
– اصمت! ودع الرجل يتحدث بالكيفية التي يريدها.
ثم ابتسم في وجهي وخاطبني:
– نحن معك إلى أن تنهي كل أقوالك.
فاستأنفت حديثي:
هكذا يممنا في اتجاه طنجة، لكن القدر كان يخفي علينا أننا سنتوقف في “ثغر أصيلا” يومين كاملين، بسبب وعكة صحية حلت برفيق لنا، لكنه قام منها سليماً والشكر لله، و”أصيلا” قرية بهيجة، تشرف على بحر الظلمات الصاخب، كانت أمنيتي أن أقف على مرمى حجر من هذا البحر الهادر وأتأمله عن كثب، فتحققت أمنيتي، وكبرت سعادتي وأنا أحس بهديره يملأ أذني، ونسائمه تتسلل إلى رئتي ومَسَامّي.
أقمنا في هذا الثغر يومين سيظلان موشومين في ذاكرتي ما حييت، فحين نزلنا في تلك السويعات الأولى من بزوغ خيوط الشمس لمشاهدة مروج البحر، وكان صخبه قد هدأ، وأطرافه قد انكمشت، مخلفة طَحَالِبَ بلورية، وأعشاباً مبللة، كأنها كرومٌ خضراء في أحد بساتين جنة الخلود، يا لها من نسائم رطبة ندية هي نقيض لروائح الصحاري، فمن شدة ما استطابتها نفسي وانشرح لها صدري جمعت منها عيّنات، فساعدني الفقيه “أبو عصيد” على ربطها عند مخلف سرج حصاني، نعم “أبو عصيد”، ذاك الفقيه الإمام المبرَز في أصيلا، رجل متصوف، يبسط يده للدراويش والمعوزين. من بين مريديه وأصدقائه أتذكر وجها وديعا خجولا لصياد سمك يدعى رُوِيكَْلْ، رجل لا يعرف عن الدنيا سوى أنواع السمك وقصبات صيدها، بينما يهتم أبو عصيد بأشعار المتصوفة والأنساب والتراجم، وبالرغم من ذلك يرتبطان بعلاقة مودة لافتة. ومما ذكره أبو عصيد في ليلة سمرنا الأولى، أنهما معاً من أشد وأقرب من عاشروا السلطان الإدريسي “يحيى بن إدريس بن عمر” خلال سنوات نفيه في “أصيلا”، بعد أن كان حاكما للمغرب كله، لكن الحاكم “موسى بن أبي العافية”، وحسداً منه على ما كان يتمتع به هذا الأمير الشاب من حب المغاربة، نصب له مكائد إلى أن نفاه إلى “ثغر أصيلا”.
وقد دلني هذا الفقيه على دار بجوار حمام ومعبد يهودي، كانت محل إقامة هذا السلطان الذي كان على قدر من العلم بالفقه والحديث. وكان رويكَل يزوره كل مساء محملا بشراتل من الأسماك الطازجة.
وفي الليلة الثانية، حدثني الفقيه عن شيخه الذي أخذ عنه كتاب البخاري “الإمام أبي محمد عبد الله بن ابراهيم بن محمد”، الملقب “بالإمام الأصيلي”، وكان قد توفي منذ حَوَالَى ثلاثين سنة، أسعدني في الحقيقة أن أستمع إلى بعض أخبار هذا الإمام، بعد أن سمعت عنه ما تيسر لي من بعض مريديه ومعاشريه في بغداد، ومكة، والمدينة، أثناء إقامته هناك منذ حَوَالَى خمسين عاماً.
توقفنا ترحّماً على قبره في حديقة مسيجة خارج أسوار المدينة، فتبادلنا أخباراً عنه، إذ أكدت له أن الإمام كان صديقاً مقرباً من الإمام أبي بكر الشافعي وأبي بكر الأبهري ومن شيوخه الأفذاذ في مكة الإمام زيد المروزي وأبي بكر الآجُري. وفي المدينة قاضيها الإمام أبي مروان المالكي، فأخبرني بأن الإمام الأصيلي، بعد أن عاد من المشرق إلى أصيلا، رحل عنها ليتولى القضاء في سرقسطة وقرطبة، وبعد مدة، عاد مرفوقاً بثلاث زوجات، أسكن كل واحدة في منزل خاص بها، وعاشرهن بالعدل والقسطاس، دون أن يفضل واحدة على غيرها، إلى أن قضى، فدفن هنا في مسقط رأسه.
توقفتُ عن إتمام حديثي حين انحنى الشرطي الأصفر الوجه على أذن رئيسه، وهمس له بكلمات غير مسموعة، لكن الرئيس ثَنَـاهُ عن همسه بإشارة من يده، وطلب مني استئناف سردي، مبدياً ابتسامة متكلفة، غير أن ما كان يسود المقام نبهني إلى أن الرجل ما عاد يطيق سماع ما أزوده به من أخبار، أو لعله لم يصدق أقوالي، تلك طباع رجال الشرطة في كل البقاع، فعملهم يجبلهم على الارتياب والحيطة. ولربما طريقة سردي التي بدت له سجية مرسلة، هي أقوى ما كان يشدّه إلى سماعي وليس مضمون أخباري، مما جعلني أختصر كلامي، وهو عين ما حدث، فما إن أخبرته برحيلنا عن “ثغر أصيلا”، والعوائق التي اعترضتنا في قطع الأنهر الثلاثة الفاصلة بين أصيلة وطنجة، واستئجارنا لمراكب خشبية ذات أشرعة كادت أن تصبح أكفاناً لنا في لجّة البحر، حملتنا من “طنجة” إلى”طريف” بالأندلس، حتى قاطعني مستفسراً:
– منذ متى تم هذا السفر إلى الأندلس؟
أجبته صادقاً:
– منذ بضعة أيام، أي في أقل من أسبوع واحد.
هنا ارتفعت أصوات الجميع بالضحك والقهقهة، فعاد الرئيس لاستفساري قائلا:
– أريد معرفة التاريخ، لا يهم اليوم أو الشهر، أريد العام بالضبط ؟
يالغرابة السؤال! قلت في نفسي، وأجبته:
– قلت لك إن ما حدث كان منذ بضعة أيام، أي في هذا الشهر، وفي هذا العام ذاته، ألسنا في ذي القعدة من عام 400 للهجرة؟
انتشر الاستخفاف على محياهم جميعهم، ولم يعد عسيراً على عيني أن تقرأ في ملامحهم علامات دالة على أني في نظرهم شخص مجنون، لكنني واصلت حفاظي على رباطة جأشي، وتوجهت بالحديث ليس إلى الرئيس وحده، وإنما إليهم جميعاً:
– أؤكد لكم أنني سليم معافى، وفي كامل قواي العقلية والجسدية، فإن وقع التباس فيما أرويه عن رحلتي، فإن مرده إلى عدم فهمكم.
وتدخل “الحاج ابراهيم” بعد أن أطال النظر في وجهي:
– طيب، تقول إنك قدمت من العراق في هذا العام، وركبت البحر إلى الأندلس في العام ذاته. أيمكنك أن تخبرنا عن ظروف بلدك؟ من تركت يحكم العراق مثلا؟
أسرعت بالإجابة:
– تركت الخليفة العباسي “أبا العباس أحمد بن المقتدر” المعروف لدينا ولديكم “بالقادر بالله”، حاكما على العراق، لكن ما هو خاف عليكم، هو أن الحاكم الحقيقي ليس الخليفة وإنما “بهاء الدولة” البويهي، فهذا الرجل بعد أن بسط نفوذه على “فارس” و”الأهواز” و”كرمان” استبد بالسلطة دون الخليفة، خاصة بعد أن تزوج الخليفة من ابنته “سكينة” عام 383 بصداق بلغ مائة ألف دينار.
وقاطعني “الحاج ابراهيم” متبرماً من حديثي، بعد أن بَحَثَ في أوراق أمامه:
– اسمع يا سيدي، إننا لسنا في عام 400 للهجرة، وإنما في عام 1423، ثم التفت إلى معاونيه وخاطبهما آمراً:
– أعدا له محضراً بأقواله واتركاه ينام إلى الصباح، لنقدمه إلى النيابة العامة ضمن المهاجرين السريين.
وقال أحد معاونيه ضاحكاً متعجباً:
– يقيناً إن الرجل سجين كتاب قرأه عن التاريخ القديم فتوقف دماغه هناك.
لم يجبه الرئيس، بل غادر المكتب دون أن يفوه بشيء، أما أنا، فقد جمد لساني وتركت أمر إرادتي لمشيئة الله، وليقولوا أو يفعلوا بي ما شاءوا.
بعد أن أفردوا لي مقعداً خشبياً وأغلقوا الباب وانسحبوا، عاد فكري للاشتغال، أنا العالِم، الفقيه، المنطقي، الفيلسوف. يحاول شرطي بسيط إقناعـي بأني سجين زمان يبتعد عن زماني بأكثر من ألف عام! يوهمني بأني فاقد للعقل! من منا فاقده، من جُبِلَ على الارتياب والتشكك؟ أم مَنْ يحتكم إلى عقله ومنطقه؟
وحسبي أني أوجد في مكان غير مكاني، فعادة ما يُفَسَّرُ اختلاف المكان باختلاف الزمان، إنما أن أكون في زمان جاء بعد زماني بأكثر من ألف عام، فهذا والله لن يستوعبه عقل كائن بشري، لقد حدث التباس ما! بكل تأكيد. لعلهم هنا في المغرب يعدون السنوات بطريقة مختلفة عما نعده نحن في العراق؟ لكنهم يتكلمون العربية، ويقولون عن أنفسهم إنهم مسلمون، يبسملون ويستغفرون الله.
يا إلهي، أكاد أصاب حقيقة بتلف العقل، ماذا لو أحضرت لهم الشيخين “القنطري” و”الدنهاجي” من حاضرة “قصر كتامة” وهي على مسافة يوم واحد لا أكثر، أو أحضرت لهم الفقيه “أبا عصيد” من”ثغر أصيلا” وهي على مقربة نصف يوم، ليشهدوا بالحقيقة، بوجودي في زمانهم ووجودهم في زماني، ثم كيف للمرء من بني آدم أن يعيش أكثر من ألف عام؟ وعلى سبيل افتراض أن ما زعموه حقيقة، فأين كنت مختفياً؟ في أعالي السماء أم في باطن الأرض؟
هراء، هرطقة، إنني أنا الذي أمتلك الحقيقة وهم الأغبياء، ولن أتنازل عن رأيي حتى لو انضم إليهم السواد الأعظم من الناس. إن الباطل لن يصير حقاً بكثرة منتحليه، كما أن الحقيقة لن تصير باطلا بقلة معتقديها، ذلك هو المنطق القويم.
هكذا عليّ أن أفكر وأن أقاوم، فأنا فيلسوف، عالم منطقي، أنا ناسخ لكتب “الجاحظ” في زماني هذا الحاضر، وليس في الزمان الذي قبله، ولن أعبأ بمنطق شرطي أملس المحيا كأنه جارية هرب عنها الزمان.
لم أدر المدة التي استغرقها حواري الداخلي، إلى أن فتحوا عَلَيَّ باب الغرفة لأعرف أن الوقت صباح.
اقتادوني، فأدخلوني مكتبا آخر، وأمروني بالجلوس فوق مقعد خشبي بمتكأ يريح الظهر، لجميع مقاعدهم مُتَّكَآت مريحة وكأنها مقاعد حاشية الخلفاء.
تناول شاب طويل القامة، أملس الوجه، شبيه بغلام، أوراقاً وأخذ يتلو على مسمعي تصريحاتي بلغة منفرة، خلتها سوطا يجلدني، وطلب مني أن أبصم أو أوقع، فناولني قلماً غريباً دون أن يسعفني بِدَوَاة، وحين نبهته أخبرني بأن سمق القلم لا يجف، مما أكّد لي أنني في عالم غريب عني. بعد ذلك غَلُّوا يدي بصفد حديدي، لم يسبق لعيني أن أبصرت مثيلا له، واقتادوني ضمن أسرى آخرين، إلى أن أدخلونا هودجاً ضخماً بنوافذ زجاجية، فتحرّك بنا وكأنه حصان أرعن، إلى أن توقف عند مدخل بناء أبيض اللون، ظننته أول الأمر سجناً، فنضح جبيني بالعرق، لكنني حين قرأت على مدخله: “المحكمة الابتدائية”، دبت في قلبي طمأنينة ما، إذ فكرت بأن التعامل مع القضاء أضمن لسلامة بدني من مواجهة الشرطة أو السجن.
أنزلونا مثنى مثنى في حراسة مشددة، وكأننا ثوار أو قطّاع طريق، وساروا بنا إلى أن وجدنا أنفسنا ننحدر في سلالم من بضع دركات أفضت بنا إلى غرفة عَطِنة تكدّس بها بشر سِيقوا قبلنا إليها، وسُدَّ علينا الباب لنظل في مواجهة المجهول.
بعد زمن قدرته بنصف يوم، جاء دوري، بعد أن كان أحدهم من وقت لآخر ينادي بأسماء بعضنا، خرجت من الغرفة، فصعدت السلالم ذاتها محاطاً بجنديين، سرنا وصعدنا، وسرنا إلى أن وجدت نفسي أومر بولوج مكتب رحب ثري، فولجته، فك الرجلان قيدي بعد أن قدما تحية عسكرية صارمة دالة على عظمة صاحب المكتب، أما هو فلم يكترث للتحية ولا رد بأكثر أو أقل منها، بل نظر إليّ أنا المعني بالأمر، مشيراً عَلَيَّ أن أجعل يدي خلف ظهري وأن أقف مستقيماً أمامه، ففعلت بمساعدة أحد الجنديين.
أخذ الرجل يتصفح أوراقاً فوق مكتبه، وبين الحين والآخر، كان يرفع بصره ويتأملني، إلى أن سألني:
– من أي بلد أنت؟
– من العراق سيدي، أجبته.
حرّك رأسه بطريقة توحي بذهوله، وخاطبني:
– تقول في تصريحاتك المدونـة في المحضر، إنك قدمت من بغداد عبر المدن التي ذكرتها، وإِنَّ اسمك هو “أبو حيان التوحيدي”!
– أجل سيدي أطال الله عمرك، أعترف بذلك.
سكت برهة مفكراً، وكمن يحاول اختزال الاستنطاق قال لي:
– سأكون مضطراً لأن آمر بإيداعك مستشفى الأمراض العقلية إلى أن تعود إلى رشدك، لكن إذا ما عَدَلْتَ طَواعيةً عن ادعاء الحمق، واعترفت باسمك الحقيقي، ومقر إقامتك، ووسيلة دخولك إلى إسبانيا، فسأكون رحيماً بك، وستنجو من العقاب.
سكت قليلا وأضاف:
– أما إذا كانت لك عاهة عقلية، كأن تكون مختلا، فيجب أن تعترف بمرضك؟
– وما هو دليلك يا سيدي على أنني لم أعترف بالحقيقة، أو أني مصاب بعاهة عقلية كالجنون؟ لا قدر الله.
قلت في عجلة من أمري، وأضفت:
– إني يا سيدي لا أتستر على شيء، لا عن أخبار ولا عن مرض، وقد اعترفت باسمي الحقيقي وباسم بلدي الحقيقي، وبالسبل التي سلكتها، إلى أن حللت بالمغرب، و بالأندلس.
انتفض صوته واشياً تبرمه من جوابي:
– إنك جاوزت المراوغة حدّ اليقين بأنك شخص معتوه، فمن سيصدق أقوالك الخرافية، تسافر من فاس في قافلة متوجهة إلى “غرناطة”، وتحل “بقصر كتامة” و”ثغر أصيلا”، وتسمع أخباراً من أفواه رجال عايشوا أحد ملوك الدولة الإدريسية المنقرضة منذ قرون، ثم تقول بأنك لست مجنوناً؟
أجبته:
– إن الجنون أيها الحاكم لا يَقْوَى أحدٌ منّا على إخفائه إن كان مصاباً به، فأي تعبير لغوي شائن أو غير منطقي صدر عني ؟ وأية حركة، أو تصرف غير عادي لاحظت أو لاحظ غيرك أنه قد طرأ على سلوكي؟
توقفت للحظة أسترجع أنفاسي، ورأيت الذهول مرسوماً على محيا الحاكم، فتابعت حديثي لمزيد إقناعه، وقلت له:
– إنني يا سيدي أتصرف تصرف العقلاء، وإذا كان قد صدر مني سلوك غير سوي، فليس معنى ذلك أنني أحمق، فقد يصدر عن العاقل بعض ما لا يصدر إلاّ عن مجنون، علما بأن الحمقى يطغى انحرافهم على اعتدالهم، وفي وضعي فإني متسق مع نفسي وعقلي، ولم أُخْفِ شيئاً من أخباري ولا من حياتي.
فاجأني مقاطعا:
– إذا كانت الحال كما تقول، أي أنك رجل عاقل متسق معتدل، فلماذا تزعم أنك “أبو حيان التوحيدي”؟
– إا الحقيقة، بغض النظر عمّا إن كانت لي أو عليّ، وهل تعرف يا مولاي شخصاً غيري يحمل هذا الاسم؟
لم يقو على طمس ابتسامة ماكرة دالة على استخفافه بمنطقي، وأجاب:
– بطبيعة الحال أعرف ” أبا حيان التوحيدي “، وليس هناك من المتعلمين المطلعين على تاريخ الأدب من يجهل أبا حيان التوحيدي المتوفى منذ قرون. أجل، قد يتكرر اسمه، هذا وارد، أما أن تنتسب إلى زمانه وتنتحل اسمه وصفته وحياته، حتى أنك تزعم بأن تاريخنا الحالي هو عام 400 هجرية، ثم تقول بأنك لست مجنونا! من يقوى على تصديق هذا الهراء؟
تمنيت لو تنفتح الأرض من تحتي، فتصهرني بداخلها، لأرتاح مما أنا فيه، ذلك أن الشك عاد يموج برأسي، ودون إرادتي وجدت أسئلة تنساب على لساني:
– سيدي، أنا أجهل صفتك تحديدا، وأعلم أن دوري ينحصر في إمدادك بأجوبة، لكن وضعي الغامض لديك ولدي أيضاً، يحتم عليّ استفسارك لأتعرّف رأسي من قدمي، فوالله ما عدت أفهم أكثر مما أجيب به، فهل تدلني رعاك الله على التاريخ الحقيقي الذي نعيشه اليوم، سواء هنا في بلاد المغرب أم ذلك الموجود في بلاد العراق؟ وكيف يمكن للمرء في نظرك أن يجمع قيد حياته بين زمانين، أحدهما مضى واندثر، والآخر حاضر حال؟ أو ليس هذا هو بؤرة خلافنا؟
حرك الرجل رأسه موافقا، وقال:
– طيب، صفتي وكيل الملك، أي أني أمثل النيابة العامة، وأدافع عن الحق العام، فهلا عرفت معنى وكيل الملك؟
– معناه في تقديري أن الملك أنابك عنه بمقتضى وكالة ضمنية، وبمعنى آخر فقد تكون قاضي القضاة!
عاد يقول في نفاذ صبر:
– أمازلت تدعي الجهل بالرغم من ثقافتك الواسعة!
– أنا لا أدعي شيئا، لكن يستحيل أن أقتنع بأني أُحْسَبُ على ماض يبتعد عن هذا الحاضر بأكثر من ألف عام، وإذا أردتني أن أصدّق، فعليك أيضا أن تصدق.
– أصدق ماذا؟
– تصدق أقوالي في الأوراق التي بين يديك، فإذا لم تقتنع، فأنا مثلك لا أستوعب هذا الفارق الزمني الذي تُصِرُّ عليه.
– أنت إذن متشبث بزعمك، طيب، لتعلم أن التاريخ الذي نعيشه اليوم في المغرب هو التاريخ نفسه الذي يعيشه إخواننا في العراق، فنحن في عام 2003 ميلادية، أما الدولة العباسية التي تزعم انتسابك إليها، فقد اختفت، واندثرت، ومر على قيامها عشرة قرون، وحلّت محلها دول أخرى، بخلفاء وسلاطين وحكامٍ آخرين، أما زلت مصراً على رأيك؟
– مهما يَحْدُثْ فأنا أعترف بالحقيقة، متمنياً لو لم تكن هذه هي الحقيقة، كأن نكون في حلم، أو على الأقل يكون أحدنا في حالة حلم.
امتدت يد وكيل الملك إلى قطعة جماد رمادية اللون، من خشب لامع، أو لربما من زنك أو حديد، فلم أقو على تمييز معدنها، لكنها كانت مسدودة بحبل رقيق إلى وعاء في لونها، وضعها بين فيه وأذنه، وأخذ يتحدث إليها كما لو أن رجلا حقيقياً بداخلها يحاوره.
وددت لو قلت له، بأن المجنون الحقيقي هو الذي يحاور جماداً، لكنني اكتفيت بذهولي، ولذت بالصمت.

بعد زمن قصير، وقع طرق خفيف على الباب، فأطل منه رجل كهل، معقوف الأنف، رمادي الشعر، حليق الوجه إلا من شارب متّسخٍ، غلب عليه بياض الشيب، قدرت أنه في عمري وقامتي ونحافتي، ألقى تحية احترام على وكيل الملك، وبعينيه تساؤل يخفي تضايقه، لكن وكيل الملك طمأنه، مرحبا، قائلا:
– إذن، أنت الكاتب محمد شكري، لقد طلبت حضورك قصد استشارتك لا غير، فأنت كاتبنا المعروف، من رموز هذه المدينة، تفضل، استرح.
بعد أن استوى محمد شكري فوق مقعد أسعفه به “محند أشهبار” الكاتب الذي يدوّن أقوالي، ظل تساؤله بادياً على وجهه، فبادره وكيل الملك بالقول:
– إنك من دون شك، تعرف من هو “أبو حيان التوحيدي”. ولعلك عارف بأخباره، أو مطلع على بعض كتبه، أليس كذلك؟
أجابه شكري بصوت يفضح ارتباكه:
– نعم سيدي، أعرف بعض أسماء كتبه، أما عن شخصه، فأذكر أن أقلاماً كبيرة وكثيرة سالت منوهة بعبقريته وعلمه الغزير، خاصة منذ حوالي عشرين عاماً، حين وقع الاحتفال من لَدُن كبار المثقفين بذكرى مرور ألف عام على وفاته، أو بالأحرى على اختفائه، ذلك أن لا أحد من المؤرخين يعلم تاريخ وفاته.
قبل أن ينهي محمد شكري شهادته، اقتحم المكتب رجل طويل القامة، حسن الطلعة، واثق الْخُطى، فبدا من هيئته، وثقته بنفسه، أنه أحد كبار الالحاكمين أو المفتين الأفذاذ، وزاد في تأكيد تخميني وقوف الجميع احتراما لقدومه، إلاّي أنا، فقد كنت واقفاً سلفاً. ولم يعودوا لجلوسهم إلا بعد أن استوى الزائر فوق مقعد بجوار وكيل الملك، وأشار عليهم بالجلوس، فتسلم أوراق تصريحاتي من يد وكيل الملك، ووضعها أمامه فوق المكتب.
قبل أن يطلع عليها، بادره وكيل الملك بالقول، وهو يشير إلى مثقف المدينة:
– إنه الكاتب المغربي الشهير محمد شكري، فقد دعوته لأستأنس برأيه في حياة واثار المرحوم “أبي حيان التوحيدي” الحقيقي، المتوفَّى منذ أكثر من ألف عام، أقول الحقيقي، لأن الضنين الماثل أمامنا يزعم أنه “أبو حيان التوحيدي”، وبأننا نعيش في عصر الدولة العباسية، وقد أحالته السلطات الإسبانية علينا بتهمة الهجرة السرية، وبعد أن اطلعوا على تصريحاته، سيتبين لكم إشكال هذه النازلة الغريبة.
انكب الوكيل العام على تفحص أقوالي المدونة في أوراق أمامه، وبين الحين والآخر، كان يرفع بصره ليتأملني، ثم يعود لمحضر تصريحاتي، واستبشرت خيراً حين أمر الشاب “محند أشهبار” بإحضار مقعد لي، وطالبه باستئناف كتابة محضر الاستنطاق.
وتدخل وكيل الملك، مخاطبا الكاتب محند أشهبار:
ناولِ السيد الوكيل العام، ماهو مسجل لديك من أقوال المتهم.
أزعجني أن يقول عني إني متهم، لكنني لذت بالصمت.
بعد أن تصفح الوكيل العام ماراج من استنطاق في غيابه، توجه نحوي بالسؤال التالي:
– هل أنت مصّر على أقوالك، وعلى أنك “أبو حيان التوحيدي”؟
حركت رأسي بالإيجاب وأضفت:
– إنني يا سيدي أتشبث بكل ما قلتُه، ولعلمك، فإني أجزع من التقوقع والتخاذل في الأقوال، سواء أكانت لغيري أمْ لي شخصياً، إنما بالله عليك، كيف ينسب لي السيد وكيل الملك صفة متهم؟ أي ذنب اقترفت؟
ارتسمت على محياه ابتسامة مواربة وهو يجيبني:
– إنك متهم بالهجرة السرية إلى إسبانيا، وهي ليست جناية حتى تصاب بالفزع. إن ما يشغلنا حقيقة، هو جريمة انتحال الصفة، أي انتحالك لشخصية “أبي حيان التوحيدي”.
ثم التفت إلى محمد شكري وطلب منه الحديث.
جال محمد شكري ببصره في وجوه الحاضرين، وكأنه يلتمس سماعه، وقال:
– لم أفهم شيئا لحد الآن. ولعلمكم فإني جاهل بأمور القانون، أما إذا كانت رغبة السيد الوكيل العام أن أزودكم بما أعرفه عن “أبي حيان التوحيدي” فإني على أتم استعداد.
حرّك الوكيل العام رأسه بالإيجاب، فتحدث شكري:
– عرف عن أبي حيان الشجاعة والصراحة والمجاهرة برأيه في الناس، كباراً وصغاراً، دون حرج في نشر مساوئهم ومحاسنهم، اعتقاداً منه بضرورة ذم المسيء ومدح المحسن، وكان أديباً وفيلسوفاً وخطيباً لا يشق له غبار.
ثم وهو يتأملني أكمل حديثه:
– لكن هذا الرجل يبدو من لهجته عراقيا، ولغته ممتازة جدا، لكنه، على ما أرى وأسمع، رجل أحمق، ذلك أن “أبا حيان” تلاشت عظامه منذ ألف عام، وقد ترك كتباً كثيرة، أذكر من بينها “المقابسات” و”الإمتاع والمؤانسة” و “أخبار القدماء وذخائر الحكماء”.
وطفق يتذكر، لكنني لم أَقْوَ على تحمل كذبه، فتوجهت بكلامي إلى الوكيل العام فاضحاً إياه.
– أعترف أنَّ الكتاب الأول والثاني من مخلوقاتي، وإني على استعداد لسرد محتوياتهما. أما كتاب “أخبار القدماء وذخائر الحكماء”، فلا علم لي به، ولم يسبق لي أن ألَّفتُ كتابا بهذا العنوان، ولاشك أنه من مختلقات السيد محمد شكري، بل أتذكر أن الشيخ “أبا سعيد السيرافي” كان يحتفظ بنسخ لبعض كتبي، وناقشنا عناوينها دون أن يخطر ببالنا هذا العنوان.
قاطعني الوكيل العام بإشارة من يده، طالباً من الكاتب “أشهبار” أن يسرع في تدوين أقوالنا، والتفت إلى “شكري” سائلا:
– هل تعرف من هو الشيخ “أبو سعيد السيرافي”؟ أقصد هل هو مذكور في تاريخ الأدب؟
رفع محمد شكري بصره إلى سقف المكتب في حالة تذكر، ثم خفض بصره وأجاب:
– لا ياسيدي، لا أتذكر من يكون هذا الشخص.
تطلع الوكيل العام نحوي وسألني:
– من يكون هذا الشيخ؟

عن (كيكا)

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع